بأقلامهم

حروب «المصادر المُطَّلعة»!

على هامش الحرب الدامية التي تجري في غزة، منذ اندلاع عملية «طوفان الأقصى»، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تندلع حروب عدَّة في الصحافة؛ سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية؛ ومن بين تلك الحروب ما يتصل باستخدام أساليب الدعاية السوداء المختلفة، أو اصطناع الأخبار وتحريفها، فضلاً عن إساءة استخدامها، أو تجريدها من السياق.

وبموازاة أخبار الحرب الموجعة ومآسيها القاسية، تحتدم الصراعات الإعلامية، وتتورط بيوت الصحافة الكبيرة، كما الصغيرة تماماً، في أخطاء هائلة، وتنقطع عن الممارسات الرشيدة، بغية تحقيق السبق، أو الانتصار لوجهة نظر طرف من أطراف المعركة، أو أحد الفاعلين في مسارات التفاوض والتسوية.

وعندما يهدأ غبار تلك المعركة، وتتوقف المدافع والرشاشات عن تأجيجها، ويتم التوصل إلى هدنة مؤقتة، أو وقف إطلاق نار مستدام، سيكون هناك وقت لمراجعة دقيقة لما جرى على صعيد المواكبة الإعلامية لها. وفي تلك المراجعة ستظهر غرائب عديدة، وسيُكتشَف كثير من الشطط، وسيكون المتورطون في ارتكاب الأخطاء الكبرى أكثر بوضوح من هؤلاء الذين التزموا حداً أدنى من المقومات المهنية والأخلاقية.

تُجسِّد تغطية الحروب إعلامياً واحدة من أصعب المحكَّات التي تفرز وسائل الإعلام والصحافيين، لجهة القدرة على التمسك بالمعايير المهنية؛ فالحرب -بوصفها عملية شديدة التعقيد- تحفل بكافة الفخاخ والمآزق الإنسانية، وتطرح عدداً لا نهائياً من الأسئلة والتحديات الصعبة التي تُغري الصحافيين ووسائل الإعلام بارتكاب الأخطاء، بسبب دراميتها الفائقة، وديناميكياتها غير المتوقعة.

ولذلك، لم يكن غريباً أن يقول السياسي البروسي التاريخي بسمارك، إن «الكذب يكثر عادة قبل الانتخابات، وخلال الحرب، وبعد الصيد». وبالتالي، فإن وسائل الإعلام والصحافيين الذين تصدُّوا لتغطية «طوفان الأقصى» وتداعياته، كان عليهم أيضاً أن يتعاملوا مع طوفان آخر؛ لكنه طوفان من الأكاذيب والدعاوى غير القابلة للإثبات التي ستدفع بها الأطراف المنخرطة في القتال وحوله، من أجل تعزيز مواقفها، وتبرئة ساحاتها، وإثبات إنجازاتها المادية، أو تسويغ قرارتها أخلاقياً.

ومن بين أكثر الصعوبات التي يواجهها الصحافيون المنخرطون في تغطية الحروب، ما يتصل بصعوبة الوصول إلى المعلومات الدقيقة خلال عمليات القتال الدامية، وفي أماكن الاشتباك الصعبة، أو خلال المحادثات السرِّية التي تجري في الغرف المُغلقة على هامشها.

ولأن الجمهور مُتعطش دائماً لمعرفة تفاصيل المعارك، ومُتلهف للأنباء المتعلقة بجهود الحل والوساطة، ولأن وسائل الإعلام المختلفة تجتهد لإدراك السبق وتحقيق التقدم في المنافسة الشرسة، ولأن الأطراف المعنية وأصحاب المصالح يريدون استخدام الإعلام في توصيل رسائلهم وتحسين مراكزهم العسكرية أو التفاوضية؛ فإن قواعد التثبت تتزعزع، ومعيار الدقة يتراجع.

وفي تلك الأجواء التي يكتنفها الغموض والقلق، وتعاني شح المعلومات الدقيقة، تعمد الأطراف المُتحاربة، أو المُنخرطة في عمليات التسوية، إلى استخدام الوسط الإعلامي في تسريب إفادات معينة؛ لكن من دون أن تُنسَب بوضوح لمصادر علنية، بما يخفف عنها المسؤولية، ويمنحها قدرة أكبر على المناورة، أو المبالغة، وأحياناً الكذب.

سيفسِّر ذلك تكرار ورود عبارة: «قال مصدر مُطَّلع»، أو: «أكدت مصادر مُطَّلعة»، في كثير من التغطيات التي واكبت تلك الحرب، وعلى الرغم من أن استخدام تلك الصيغة مقبول صحافياً، وفق قواعد محددة، فإن الإفراط فيها يضرُّ بمصداقية العمل الصحافي، كما أن استخدامها من دون الوفاء بجملة من الشروط المهنية الضرورية، ينال من مهنيتها ويُحد من مصداقيتها.

لقد توافق كثير من أدلة الإرشادات التحريرية، ومدوَّنات السلوك المهنية، على جملة من الشروط الصارمة التي تسمح للصحافي بنشر أخبار منسوبة لمصادر غير مُعلَنة؛ ومنها ضرورة أن يسأل الصحافي نفسه عدداً من الأسئلة قبل أن ينشر تلك الإفادة مُجَهَّلة المصدر؛ مثل: «هل هذا المصدر الذي يريد حجب اسمه في موضع يسمح له بالاطلاع على المعلومة التي زوَّدني بها؟ وهل ذِكر اسمه ومنصبه يمكن أن يسبب له ضرراً غير موضوعي؟ ولماذا سرَّب لي هذا المصدر تلك المعلومة؟ وهل يريد المنافسون الحصول على تلك المعلومة أو أنها غير ذات قيمة؟ وكيف يمكن التثبت من المعلومة التي زوَّدني بها هذا المصدر من مصدر آخر ليس له صلة به؟ وإذا كانت تلك المعلومة أو ذلك التقييم يمسُّ طرفاً آخر، فما رأي هذا الطرف الأخير؟».

يعطينا هذا مثالاً واضحاً على صعوبة العمل الصحافي، وتفاقم تلك الصعوبة في أوقات الصراعات الكبيرة، كما يشرح لنا مدى صعوبة الموازنة بين حق بعض المصادر في تجهيل أسمائها لحمايتها من الأضرار غير الموضوعية، وبين حق الجمهور في صحافة قائمة على المعلومات الدقيقة والمنسوبة لمصادر مُعلَنة وواضحة.