بأقلامهم

التدخل في شؤون الآخرين.. لماذا؟!

ألا تتفقون معي أن بعض هؤلاء يعانون من اضطرابات نفسية جراء تصرفاتهم غير السوية، وسلوكياتهم المشينة.

محمد بن سلمان العمري… يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – «من حُسْن إسلام المرء تَرْكُه ما لا يعنيه»، والبعض يخالفون الهدي النبوي والذوق العام وأدب التعامل مع الناس، فتراهم يدسّون أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة، وكأنهم أوصياء على الناس، ويُلبسون هذا التطفل «اللقافة» لباس الخير وأنهم يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم، ولذلك يقدمون لهم النصائح وقد تكون من الفضائح، وقبل هذا ما تسببه بعض هذه التدخلات من أثر نفسي لصاحبها.

 

البعض يتقمص دور الطبيب، والخبير الاقتصادي، والمهندس المعماري، والأخصائي الاجتماعي، والمشرف التربوي وغيرهم، وما أن يجلس مجلساً إلا وتراه منتقداً وموجهاً ومنظراً غير آبهٍ بالحرج الشديد الذي يواجهه صاحب الشأن الذي ربما كان لا يرغب في إثارة موضوع نصيحته أمام الآخرين، وقد يتبع هذا «الملقوف» وصاياه في نهاية الحديث بإلقاء اللائمة على المنصوح أو (المفضوح) بأنه أهمل أو أنه تم غشه أو أنه لا يفهم ولا يدبر… إلخ من مفردات «فرد العضلات»، وممارسة الأستاذية على الآخرين.

 

وأمثال هذا كثير فما أن يزور أحدهم بيتاً جديداً إلا وينتقد الألوان ونوعها، وحجم المجلس، وكمية الإضاءة، وموقع الباب، ونوع المكيف وموقعه، ودرجة التبريد، ولو جاء خلال فترة الإنشاء لانتقد المساحة، وتوزيع الغرف ومقدمة البيت.

 

وهذا المنتقد هو نفسه الذي يتحول إلى طبيب يشخص الأمراض عند زيارة المريض، ويطرح العلاج وكأنه طبيب استشاري ثم يوجه اللائمة على المريض في التأخير بتناول العلاج والكشف، وأن عليه الاستماع لنصيحته دومًا، وهذا الشخص المزعج هو الذي إذا ذهب لحفل انتقد الطعام وما قدم، وعدد المدعوين، وموعد تقديم الطعام، وقد يسأل الداعي عمن أعد الطعام، وكم تكلفته، وكم أسعار الذبائح إن لم يشبعها بالانتقاد والانتقاص.

 

وحينما يشتري أحد سيارة جديدة فسيمطره بالانتقاد لما اختار هذه النوعية، وإن راقت له انتقد ألوانها وقد يتعدى ذلك إلى أن يلومه على الاستعجال فالموديلات الجديدة ستتغير بالكلية فضلاً عن السؤال عن السعر، والإجابة الجاهزة «تراك مغلوب».

 

وكل مجتمع عائلي أو زملاء أو جيران لا يخلون من أمثال هؤلاء الفضوليين المتطفلين الذين لا يهنأهم إلا النكد على الناس باسم فعل الخير، وهم يجلبون ضيق الصدر والحزن للآخرين، وهذه العينة هي التي تشغل الإمام والمؤذن في المساجد بأشياء كثيرة بدءًا من موعد الإقامة ومدة الصلاة والتكييف، وكم من مصلي ابتعد عن مسجدهم بأسبابه، وكم من شخص ترك مجالس زملائه أو أهله بسبب هذه العينات التي تتدخل في الخصوصيات ولا ترعوي عن سفهها وتعديها على الناس، ولا تتوقف عن التدخل فيما لا يعنيها رغم تكرار النصح أو التوبيخ من الناس.

 

وما يقال عن مجتمع الرجال أمثاله في مجتمع النساء حاصل، ولا سيما في الملابس والزينة والانتقاد العلني، وعن كل ما يخص المناسبات وما يتعلق بها، ولا يستبعد أن يكون الفضول في السؤال بماذا تم طبخه، ولما تم ذلك، ولما لم يتم طبخ كذا، وما المقادير… إلخ، وهؤلاء نساء ورجالاً لا يعرفون عبادة «جبر الخواطر»، ولا يعرفون عبادة «ترك ما لا يعنيك» ، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وترك النصائح أو التحليلات والاستنتاجات، ولا يعرفون عبادة التغافل وعدم التدقيق، ولا يعرفون عبادة إدخال السرور على قلوب الناس.

 

ألا تتفقون معي أن بعض هؤلاء يعانون من اضطرابات نفسية جراء تصرفاتهم غير السوية، وسلوكياتهم المشينة.

 

نسأل الله العافية والهداية لأحسن الأخلاق وأن يعيذنا من سيئها.