بأقلامهم

60 عاما بأكثر من قرن

يطوي الملك صفحة جديدة من عمره، غير أنها كانت صفحات غير سهلة أبدا، فقد اختبر فيها جميع أنواع الصعوبات والعقبات.

تحديات عديدة واجهها الملك الشاب في أوائل تسلم سلطاته الدستورية، وتفاقمت وتنوعت مع كل عام جديد يطويه في المسؤولية، لكنه ورغم ذلك كله ظل متمسكا بنفس الآمال والطموحات.

الأمل هو الرفيق الذي اصطفاه الملك في جميع مفاصل إدارته لدولة شاء الله أن تكون في وسط منطقة لا تنتهي فيها النزاعات والصراعات. لكن حكمة الهاشميين ظلت على الدوام البوصلة التي اهتدينا بها لكي يبقى بلدنا واحة للأمن.

العامان الأخيران كانا من أكثر الأوقات قسوة في حياة الملك وحياة أبناء شعبه، بعد أن اشتدت الضغوطات على الأردن من كل حدب وصوب؛ وضع اقتصادي خطير، تفاقم جراء جائحة صحية أصابت العالم، وحكومات تعمل على خجل، بالتزامن مع وجود إدارة دونالد ترامب المتطرفة التي سعت إلى تغيير ملامح المنطقة وتحالفاتها.

فكانت الخسائر كبيرة في الشقين؛ السياسي والاقتصادي، ولم يكن من السهولة التعامل مع تبعاتها في دولة تعاني من ضعف في ملفات عديدة.

كان يمكن للنتائج السلبية أن تكون أكبر مما حدث، بيد أن دولة بقيادة وشعب اعتادوا على خوض غمار المعارك، ومواجهة العواصف على أشكالها المتعددة، ولدت رغبة حقيقية بتحويل العناوين، وصنع انعطافة حقيقية في الأحداث بدلا من الانحناء والاستسلام للضعف.

إنها إرادة لإنجاز مشاريع إصلاح سياسي وإداري، يلحقها مشاريع إصلاح اقتصادي، إيمانا بأن الأردن القوي هو الذي يعتمد على ذاته ويطور أدواته.

عندما نقول إن الستين عاما التي مضت من عمر الملك لا تقيس فعليا الملفات الضاغطة الكثيرة التي تعامل معها، فإننا بذلك ننظر إلى التفاصيل اليومية الكثيرة في حياته، والمسؤولية التي ينخرط بها جلالته والتي لا تحتمل الخطأ، ومراقبة الأداء والإنجاز، كما لا ننسى التحديات الخارجية التي تزيد من صعوبة المهمة.

اجتهاد مرهق قاده الملك في الإصلاح السياسي بغية الوصول إلى صيغة ديمقراطية تعد أنموذجا بالمنطقة، وتلبي احتياجات الناس في الحرية والمشاركة الفاعلة في الأحزاب، وصولا إلى برلمان قوي قوامه الأحزاب القادرة على تشكيل حكومة برامجية.

هذا التحدي الذي مدته 10 سنوات يمثل هما كبيرا يشغل بال جلالته في الآونة الأخيرة، في دولة حكم عليها أن تعاني من أزمات محلية وإقليمية.

لقد بذل الملك جهودا كبيرة في سبيل تحقيق التعافي الاقتصادي، وتابع ضعف الإدارة الحكومية، وترهل الجهاز الإداري، وضعف البيئة التشريعية لجذب الاستثمارات، ودفع باتجاه النهوض بالقطاع السياحي، وتحويل الأردن لمركز إقليمي في الأمن الغذائي، مع التركيز على الاستفادة من الرياديين الشباب، ما يساهم في توفير فرص عمل تحد من النسب العالية للبطالة، وهو الملف المؤلم للملك أكثر من غيره، وأشار إلى هذا الألم في أكثر من مناسبة.

ولأن الوقت يضيق، فتزامن ذلك مع منظومة لتحديث القطاع العام كونه رافعة أساسية للإصلاح الاقتصادي والإصلاحات المرتبطة بتحديث المنظومة السياسية، من أجل واقع أفضل للأردنيين.

المعادلة في نظرة الملك لا شك أنها مختلفة اليوم، ونلحظ ذلك عند تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، والتي انبثقت من ضمانة ملكية على تحقيق مخرجاتها واستمراريتها، وتعزز ذلك بالبدء في التطوير الإداري.

ذلك يعني انتهاء عصر الاستراتيجيات المبنية على شخوص، والتي تختفي بمغادرتهم مواقعهم، إلى خطط عابرة للحكومات، غير خاضعة لرأي أي مسؤول أو قناعته أو مزاجيته، أو حتى مصالحه الخاصة.

هذا ما يريده المواطن ويطمئن إليه؛ ضمانة ملكية، واستمرارية في العمل والإنجاز بعيدا عن الاجتهادات الذاتية.

المسيرة تتواصل، والنهوض بالدولة أمر في غاية الصعوبة، لكنه ليس مستحيلا إذا ما تسلحنا بالعزيمة والإرادة، كتلك التي جعلتنا بقيادة جلالته نتجاوز جميع التحديات التي اعترضت طريق بلدنا طيلة سنوات قاسية مضت.