غربال

“شراء الخدمات” هل أصبح تجاوزا إداريا والتفافا على التوظيف الرسمي؟

اعتبر خبراء إداريون أن موضوع “شراء الخدمات” مفهوم وجد لغايات ومهام محددة من حيث طبيعة العمل، وتجنبا للتوظيف الدائم الذي ربما يرتب تكاليف إضافية على المؤسسات ويزيد من كادرها البشري غير المطلوب، وليس للقفز على دور ديون الخدمة المدنية.
وبينوا لـ “الغد” ان هذا المفهوم استخدم في الآونة الأخيرة في معظم مؤسسات القطاع العام بشكل واسع للالتفاف على عمليات التعيين التي تحاول الحكومة تقليصها، نظرا للتضخم الذي يعاني منه القطاع العام، وبذلك أصبح أحد أشكال التجاوزات الإدارية التي يجب ضبطها والسيطرة عليها، حيث أصبح شراء الخدمات يستخدم لفترات طويلة ولغير حاجات ضرورية في أغلب الحالات.
وبحسب مصدر حكومي، فإن عدد موظفي القطاع العام يصل الى (219) ألف موظف وموظفة، إضافة الى (2500-3000) موظف شراء خدمات، مشيرا المصدر إلى أن موظفي شراء الخدمات وجدوا لتخصصات نادرة تحتاجها مؤسسات القطاع العام.
وفي هذا الصدد، يبين وزير تطوير القطاع العام الأسبق ماهر مدادحة أن موضوع شراء الخدمات مفهوم وجد لغايات ومهام محددة من حيث طبيعة العمل وصعوبته، وكذلك لزمن المهمة، وبالأصل ينبغي ألا يكون طويلا، مقارنة مع الوظائف الدائمة، حيث اقتضت بعض الحالات في مؤسسات القطاع العام أن تستخدم كفاءات لمهمات متخصصة وغير متوفره فيها لفترات قصيرة، وتجنبا للتوظيف الدائم الذي قد يكلف المؤسسة ويزيد من كادرها البشري غير المطلوب”.
وقال المدادحة: “لكن هذا المفهوم استخدم في الآونة الأخيرة في معظم مؤسسات القطاع العام بشكل واسع، للالتفاف على عمليات التعيين التي تحاول الحكومة تقليصها، نظرا للتضخم الذي يعاني منه القطاع العام، وبذلك أصبح أحد اشكال التجاوزات الادارية التي يجب ضبطها والسيطره عليها، حيث أصبح شراء الخدمات يستخدم لفترات طويلة ولغير الحاجة الضرورية له.
بدوره، بيّن مدير عام معهد الإدارة العامة السابق راضي العتوم، أن تعيين الموظفين تحت باب شراء الخدمات “غير منطقي، وغير مقبول إداريا وأخلاقيا، فبينما تتعامل أنظمة الموارد البشرية الحديثة مع الموظفين على أنهم ليس مَوردا بشريا فحسب، بل مواهب Talents، نعود ونُطلق مُسميات عليها، وكأننا نتعامل مع معدات وأجهزة، ومواد أولية، وخدمات صيانة، وخدمات توزيع ونقل، وخدمات لوجستية؛ وهذا يعني أننا لا نُفرّق بين الجماد والإنسان الذي كرّمه الله على الخلق أجمعين”.
وأضاف: “ومن جانب فنّي متخصص، هناك تباينٌ واسعٌ بين تعبير الشراء؛ وهذا ينطبق فقط على السلع والخدمات، وتطبق عليه أسس وقواعد المُشتريات العامة، والعطاءات ومناقصاتها، وبين اختيار وتعيين الكفاءات البشرية؛ وتقصّي تعيين الأجدر بين المتقدمين، وفقا لأسس ومعايير التعيين، إذا كنا حقا نُطبّقُ تلك الأسس التي يتغنّى بها المسؤولون من أصحاب القرار وقيادات مؤسسات الدولة، لهذا، فالمفارقة بيّنة بين تعيين الكوادر المؤهلة، وبين شراء خدمات انشائية، أو تعليمية، أو صحية، أو لوجستية”. وزاد: “فالتعبير بُرمته لا يجوز، وغير مناسب، والتفسير التشريعي بتطبيق ذلك كمنفذ قانوني غير جائز، ومن أقرّ بذلك سابقا، فهو غير موضوعي، ولا يمتهن لا علم الإدارة، ولا الاقتصاد، ولا يقوى على الفهم العلمي للمصطلحات المتخصصة”.
وأضاف: “كما أن على الحكومة أن تتأكد من وصولها إلى سائر الأطراف، وتُتيح المجال لهم بطرح آرائهم ومقترحاتهم، فيما تتابع وزارة المالية تلك الآراء، وتردّ عليها، وإذا كانت هناك طلبات منطقية وموضوعية تعني بالقطاعات التي يمثلونها فيجب أن تعمل الوزارة على تعديل الموازنة العامة وفقا لها”.
وقال العتوم: “الحقيقة التي يُعاني منها مُجتمعنا هي أن المسؤولين والقيادات تتغنّى بإنجازات الدول المتقدمة، وتتباهى احيانا بها، وتوهمنا بأننا نطبق التجارب المُثلى Best Practices العالمية، لكن الحقيقة ان كل ذلك سراب نعيشه في إدارة مؤسسات الدولة، فلا التشريع يكتبُ ويُقرُّ بأسلوب منهجي تشاركي سليم، ولا الموازنات تُعدّ بطريقة موضوعية شفافة ومتخصصة، ولا القرارات الإدارية تراعي أبسط قواعد ومبادئ الحوكمة بدءا بسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، والكفاءة، وانتهاء بمراعاة الاستدامة”.
من جهته، أشار رئيس ديوان الخدمة المدنية سامح الناصر إلى أن تعريف الموظف وفقا لأحكام المادة (2) من نظام الخدمة المدنية بأنه “الشخص المعين في وظيفة مدرجة في جدول تشكيلات الوظائف الصادر بمقتضى قانون الموازنة العامة أو موازنة إحدى الدوائر، والموظف المُعين بموجب عقد، ولا يشمل الشخص الذي يستخدم خارج جدول تشكيلات الوظائف الحكومية، ويتم تطبيق احكام قانون العمل عليه وليس نظام الخدمة المدنية، وعليه لا يعتبر الشخص الذي يعمل في الدائرة على بند شراء الخدمات موظفاً حكومياً”.
وبين الناصر أن دور ديوان الخدمة المدنية في التعيين على شراء الخدمات يتمثل بعضويته في لجنة مشكلة بقرار من رئيس الوزراء، وتضم ممثلا عن ديوان الخدمة المدنية، وممثلا عن رئاسة الوزراء، وممثلا عن دائرة الموازنة العامة تقوم بدراسة طلبات الأجهزة الحكومية وفقا للأسس المعتمدة بموجب بلاغ رئيس الوزراء رقم (11) لسنة 2017 بخصوص ضبط وتنظيم عملية شراء خدمات الاشخاص على حساب شراء الخدمات في الوزارات والدوائر الرسمية”.
وأضاف: “بعد ذلك، تقوم اللجنة بدراسة احتياجات الاجهزة الحكومية ورفع التوصية بالموافقة عليها من عدمها، في ضوء مخرجات التقارير التي تطلب من الدوائر الحكومية من قبل اللجنة لتزويدها بالبيانات والمعلومات التوضيحية اللازمة لغايات عمل اللجنة، علما بان الديوان ملتزم تماماً بضبط عملية الاستخدام خارج جدول تشكيلات الوظائف الحكومية بشكل عام، وشراء الخدمات بشكل خاص إلا للحاجة الفعلية وبعد دراسة مستفيضة من قبل اللجنة المشار إليها آنفا”.
ونوه بأن الديوان أنهى وبالتعاون مع وزارة الاشغال العامة والاسكان تحديد الفائض والنقص من الموارد البشرية في ضوء مخرجات وتوصيات الدراسة التي تم تنفيذها على مديريات الوزارة المنتشرة في محافظات المملكة أثناء مناقشة مشروع جدول تشكيلات الوزارة للعام المقبل 2022.

الغد- عبدالله ربيحات