غربال

هل تؤدي عودة “طالبان” إلى تقييد تنظيم “القاعدة” أم دعمه؟

قالت صحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، إن ”الجيش الأمريكي وحلف الناتو هاجما أفغانستان ردًا على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية التي شنها تنظيم القاعدة المدعوم من حركة طالبان، ونجحا بكبح جماح الحركة، وقمع دعمها للتنظيم لمدة طويلة“، موضحةً أنه ”مع عودة طالبان للسلطة الآن، تُثار مخاوف من عودة أفغانستان لتصبح أرضًا خصبة للتطرف والإرهاب، بمساعدة التكنولوجيا الحديثة، ومواقع التواصل الاجتماعي، لنشر الدعاية الإرهابية والتجنيد“.

وأكدت الصحيفة أنه ”لا يزال صعود طالبان للسلطة في أيامه الأولى، ما أدى إلى اختلاف الخبراء حول النهج الذي ستختار طالبان اتباعه في حكم أفغانستان، وحجم وسرعة التهديد الذي ستشكله“.

وأضافت: ”ومع ذلك.. هناك إجماع أن انتصار طالبان في أفغانستان كان بمثابة دفعة دعائية ضخمة للإرهاب المتعلق بالإسلام في جميع أنحاء العالم، لكن البعض يتوقعون أن تكون قيادات طالبان تعلمت بعض الدروس خلال الـ 20 عامًا الأخيرة، فمن المستبعد تكرار دعمها لجماعات مثل القاعدة، وتنظيم داعش، علمًا بالعواقب التي قد تترتب على ذلك.. إلا أن هناك آخرين، خاصة في واشنطن، يعتقدون أنه من المرجح أن تكرر حركة طالبان تشجيعها ودعمها للجماعات الإرهابية، ما يجعل احتمال وقوع هجوم آخر على الولايات المتحدة وحلفائها، مرجحًا أكثر من أي وقت مضى“.

ويقول ناثان سيلز، المنسق الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب وزميل أقدم في المجلس الأطلسي، إن ”خطر الإرهاب على الولايات المتحدة سيتفاقم بقدر كبير“، موضحًا أن ”عودة طالبان إلى السلطة ستقدم حتمًا ملاذًا آمنًا لتنظيم القاعدة في أفغانستان، والذي سيستخدمه التنظيم كمنصة لإطلاق الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة وغيرها“.

وأوضح بعض الخبراء أنهم ”أقل يقينًا“، حيث قال جون ساورز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني المعروف باسم ”إم أي 6“: ”ذهبنا إلى أفغانستان لمواجهة التهديد الإرهابي، وسيكون المقياس الحاسم في المستقبل هو معرفة ما إذا كان الوضع سيئًا أم فظيعًا جدًا، فإدارة طالبان، صديقة الإرهابيين، لبلد بأكمله ليست أمرًا جيدًا“.

 

إلا أن ساورز أشار إلى أنه ”من المرجح أن تكون طالبان قد تعلمت بعض الدروس في السنوات الـ 20 الماضية، لذلك أصبح السؤال الآن هو: إلى أي مدى تسيطر القيادة التي تتفاوض في الدوحة على المقاتلين؟ فالموجودون في ساحة المعركة غالبًا ما يتمتعون بسلطة أكبر في الحروب الأهلية من الذين يجلسون في فنادق خمسة نجوم، مثل قادة طالبان الذين أداروا العملية الدبلوماسية في قطر“.

أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة كينغز كوليدج في لندن، بيتر نيومان، قال إن ”المتطرفين في جميع أنحاء العالم سيحصلون على دفعة كانوا في أمس الحاجة إليها من انتصار طالبان على الولايات المتحدة التي يصفونها بالشيطان الأعظم“.

وأضاف: ”جميع أنصار القاعدة يحتفلون بانسحاب القوات الأمريكية، كانتصار على أمريكا، وهو ما كانوا يأملون تحقيقه، فهؤلاء المقاتلون ينزلون من الجبال لهزيمة الولايات المتحدة، والكثير من الجماعات ستستغل هذا الانتصار من الناحية الدعائية، من مبدأ إذا تمكنت طالبان من فعل ذلك، يمكنك أن تفعل ذلك أيضًا“.

من جانبه، قال رافايلو بانتوتشي، محلل الإرهاب في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو هيئة أبحاث دفاعية: ”يمكن رؤية رياح النجاح تهب عبر أشرعة الحركة الجهادية العالمية على مواقع التواصل الاجتماعي“.

وأضاف: ”إنهم يرون أن النصر في أفغانستان هو ذروة النجاحات في العالم، والتي تحدث في أجزاء من أفريقيا وسوريا، ومع انسحاب الفرنسيين من مالي، فهذا الوضع يعد رواية نجاح، وسيستغلون الأمر ويقولون إنه يمكنك القتال لمدة 20 عامًا والحصول على السلطة“.

 

ووفقًا لبيتر نيومان، ”سيكون الخطر الأكثر إلحاحًا هو تشجيع الإرهابيين المنفردين على ارتكاب أعمال إرهابية محلية، وهو أحد الأهداف الرئيسة للحملات الترويجية على مواقع التواصل الاجتماعي“.

ومع ذلك ”يُعتقد أن احتمال أن توفر طالبان بسرعة ملاذًا آمنًا لجماعات مثل القاعدة، وتنظيم داعش، ضئيل“، حيث يقول نيومان إن ”طالبان وصلت للسلطة مرة أخرى دون مساعدة من تنظيم القاعدة، وقد أدرك عناصرها أنهم فقدوا حكومتهم وبلدهم العام 2001 بسبب أفعال تنظيم القاعدة، وأن الولايات المتحدة قد تتدخل مرة أخرى ”ليس لحماية حقوق الإنسان والمرأة، ولكن إذا سمحت طالبان بازدهار الإرهاب الدولي“.

بدوره، قال ساورز إنه ”سيتعين على طالبان التعامل مع فلول تنظيمي القاعدة وداعش الموجودين بالفعل في أفغانستان، موضحًا: ”لن يتحركوا ضدهم، لكنهم لن يرغبوا في إثارة العداء الدولي مرة أخرى“.

وأوضح أن أولى أولوياتهم ستكون تعزيز سيطرتهم على أفغانستان المنقسمة، بما فيها التوصل لنوع من التفاهم أو التسوية مع الأقليات، مثل الأوزبك، والمسلمين الشيعة، والهزارة، والإسماعيليين.

وشرح: ”حققت طالبان انتصارًا كبيرًا.. ولن ترغب في إفساده الآن“.

 

مع ذلك، يعتقد آخرون مثل سيلز، أن ”طالبان ستسمح بالتأكيد لتنظيم القاعدة بالعمل مرة أخرى ضد الولايات المتحدة“، مشيرين إلى أن ”القدرات الاستخباراتية الأمريكية في أفغانستان ستتدهور مع رحيل الوجود العسكري والدبلوماسي، وتمركز القوات والطائرات الأمريكية المسيرة على بعد مئات الأميال“.

وقال سيلز إن ”طالبان لطالما رفضت الانفصال عن حليفها القوي، تنظيم القاعدة، رغم أنها وعدت بذلك في اتفاق، فبراير 2020، مع إدارة ترامب، وهو يتوقع أن يعود تنظيم القاعدة، الذي حصل على موارد جديدة للتمويل وساحة للتجنيد، للانتشار في أفغانستان خلال 3-6 أشهر“.

وفي يونيو الماضي، سأل أعضاء مجلس الشيوخ وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن الثالث، والجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، عن فرص ظهور جماعات مثل تنظيمي القاعدة وداعش من جديد في أفغانستان، وعودتها لتهديد الأراضي الأمريكية في غضون عامين من الانسحاب العسكري الأمريكي، وقال وزير الدفاع: ”تقييمي أن التهديد متوسط، وأتوقع أن يستغرق تطويرهم لهذه القدرة حوالي عامين“.

ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، قال الجنرال ميلي لأعضاء مجلس الشيوخ في اجتماع هاتفي، يوم الأحد، إن ”المسؤولين الأمريكيين يراجعون هذه التقييمات السابقة بسرعة، ويعتقدون الآن أن مثل هذه الجماعات يمكن أن تنمو بشكل أسرع بكثير، وهم يعملون على وضع جدول زمني جديد“.

ويرى مدير مركز سكوكروفت للإستراتيجية والأمن، باري بافل، أن ”أفغانستان التي تقودها طالبان والتي توفر للإرهابيين العالميين البارعين في التكنولوجيا ملاذًا آمنًا لتجنيد أتباع جدد عن بعد، والقيام بعمليات في الولايات المتحدة وأماكن أخرى تشكل تهديدًا أمنيًا بمستوى مختلف“.

 

إلا أن جيران أفغانستان لديهم مخاوف أكثر إلحاحًا، حيث أشار بانتوتشي إلى أن باكستان التي دعمت حركة طالبان لمكافحة النفوذ الهندي، شهدت انتعاشًا في حركة طالبان الباكستانية بسبب التطورات في أفغانستان، وفي حين لدى حركة طالبان الباكستانية علاقات مع الجماعة الأفغانية، إلا أنها ملتزمة بالإطاحة بالدولة الباكستانية، ولطالما كانت لها مخابئ على طول الحدود.

وقال بانتوتشي إن ”باكستان يمكن أن تضغط على حركة طالبان الأفغانية لكبح جماح نظيرتها الباكستانية، ولكن المعضلة هي إلى أي مدى ستسيطر على الإقليم، ورواية النصر والنجاح يتردد صداها في باكستان، والباكستانيون أنفسهم يبالغون أحيانًا في تقدير مدى سيطرتهم على هذه الجماعات المختلفة“.

ويبدو أن إيران مهتمة بالتحركات الجديدة للاجئين، والتدفق المستمر للأفيون عبر الحدود، الذي كان عنصرًا مهمًا في آلية تمويل طالبان، والجماعات المناهضة لإيران، مثل البلوشيين الذين يمكنهم استخدام أفغانستان لمهاجمة إيران.

كما يقلق سكان آسيا الوسطى من عدم الاستقرار، وهجمات المتشددين العابرة للحدود من أفغانستان، ففي عامي 1999 و2000، كانت هناك غارات خطيرة جنوب قيرغيزستان، ودعم للحرب الأهلية في طاجيكستان في ظل حكومة طالبان الأخيرة؛ وفي العام 1999 انفجرت 6 قنابل في طشقند عاصمة أوزبكستان.

 

وتعرضت الصين أيضًا لحوادث إرهابية في شينغ يانغ، وفي حين أن الصلة بأفغانستان لم تتضح بعد، إلا أن متطرفي اليغور عملوا من هناك عبر الحدود الضيقة مع الصين، والآن تحاول الصين التوصل إلى اتفاق مع طالبان، ورغم أنها حذرت من عدم الاستقرار الناجم عن الانسحاب الأمريكي السريع من أفغانستان، إلا أنها مثل روسيا ومعظم الدول المجاورة، من المرجح أن تعترف بحكومة طالبان الجديدة.

وأواخر الشهر الماضي، اجتمع مسؤولون صينيون مع وفد من طالبان يضم الملا عبد الغني بارادار، وهو أحد مؤسسي طالبان الذي أمضى سنوات في السجون الباكستانية.

وقال بانتوتشي: ”كل هذه الدول لها تاريخ مع طالبان تخشى أن يكرر نفسه“.

فيما ختم المنسق الأمريكي السابق لمكافحة الإرهاب، ناثان سيلز، أنه ”يأمل أن تؤدي هذه المخاوف إلى تعاون البلدان بهدوء مع الولايات المتحدة لضمان تقييد تنظيم القاعدة“، وفقًا لصحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية،