كيف الجو؟

مخلفات متنزهي البحر الميت تكشف المسكوت عنه بيئيا

فتحت المخلفات التي ألقاها المتنزهون لمنطقة البحر الميت وشارع الكورنيش، يومي الجمعة والسبت الماضيين، والتي وصلت لنحو 20 طناً، الباب على مصراعيه لتوجيه “انتقادات لاذعة من قبل خبراء في الشؤون البيئية والمائية والزراعية، لحملات التوعية التي نفذتها وزارة البيئة على مدى أعوام سابقة، كونها لم تثبت نجاعتها”.
فالمشهد سنوياً تتكرر، والحلول، في رأي هؤلاء الخبراء “لم تتغير؛ فالإبقاء على الحملات التوعوية، دون عواقب رادعة تتخذ بحق المخالفين، لن يغير من واقع الإلقاء العشوائي للنفايات، فالإستراتيجيات والانظمة الحكومية، لا بد أن تتبدل، لإنهاء هذه الظاهرة مستقبلاً”.
ويحذر الخبراء، في تصريحات لـ”الغد” من “التأثيرات السلبية للمخلفات الصلبة والسائلة على قطاعات المياه والثروة الحيوانية والنباتية، وحتى على البيئة والصحة التي تصل حد نفوق الماشية، وتفشي الأمراض نتيجة ما تجذبه هذه المخلفات من حشرات ضارة، عدا عن تدهور التنوع الحيوي”.
وفي رأي الخبيرة في نوعية المياه الدكتورة منى هندية أن “إلقاء القمامة عادة ما يتم بدافع من عدم احترام الأفراد للقانون، وعدم تطبيقه من الجهات المعنية، فضلا عن الجهل والغطرسة الذي يميز سلوك واعتقادات الكثيرين، والنابع من فكرة أن هناك من سيتولى عملية التنظيف لما نخلفه من نفايات”.
كما أن “تدني عدد ومواقع صناديق القمامة، وابتعادها عن منازل الأفراد، الى جانب غياب العقوبات الحقيقية، وتطبيق التشريعات الرادعة، جميعها عوامل تؤثر على سلوك المواطن، وتجعله غير آبه أو مكترث بالمحافظة على بيئته نظيفة”.
ولفتت هندية الى أن “الأفراد يميلون الى رمي الأشياء عشوائيا في أي مكان، بدلاً من وضعها في صناديق القمامة، والذي لا يتسبب فقط بمشكلة جمالية، وإنما يترك آثارا وعواقب بيئية وخيمة”.
وأشارت مثلاً، الى أن “فوط الأطفال تحتاج الى أكثر من 500 عام كي تتحلل، في حين تستغرق أعقاب السجائر أكثر من 10 أعوام، حتى قشور الموز والبرتقال قد تبقى لأكثر من شهر”.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن “للقمامة القدرة على التسبب بالضرر على صحة الانسان والسلامة العامة، وكذلك على البيئة، من خلال جذب الحشرات والقوارض، وتسميم الحيوانات أيضاً”.
وأضافت، أن “المخلفات تُسهم في قتل الحياة المائية بشكل مباشر عن طريق ابتلاع الأسماك وغيرها ما يؤدي الى اختناقها وبشكل غير مباشر كذلك، من خلال التأثير على نوعية المياه أحد أهم التأثيرات الضارة التي تسببها القمامة”.
“ومع هطل الأمطار، وبعد تحلل النفايات، فإنها تتسبب في تلويث المياه الجوفية والسطحية، وتؤثر على الصحة العامة وخصوصا الأطفال، ما يؤدّي إلى عدم القدرة على الاستفادة منها بشكل جيّد فيما بعد”.
ومن وجهة نظر هندية فإن “الحل للحد من مسألة الإلقاء العشوائي تكمن في تفعيل دور الصحة المدرسية لتوعية الطلبة، وتشكيل أندية بيئية في المدرسة والأحياء، ورفع الوعي المجتمعي والإرشادي والأسري لغرس القيم الأخلاقية ومفاهيم إعادة التدوير للتقليل من كمية المخلفات”.
لكن أمين عام وزارة البيئة الدكتور محمد الخشاشنة أكد أن “التحضيرات جارية الآن لإطلاق حملة بالتعاون مع الإدارة الملكية لحماية البيئة والسياحة مع مختلف الشركاء في مناطق التنزه، ومن بينها البحر الميت، لرفع مستويات الوعي بين الناس، مع فرض عقوبات على المخالفين ومن يقوم بإلقاء النفايات عشوائياً”.
وشدد على أن “الحملات التوعوية وحدها غير كفيلة بإنهاء مشكلة الإلقاء العشوائي للمخلفات، ولن تحقق النتيجة المرجوة، إذ يجب أن ترافقها مسألة الثواب والعقاب، كي تكون ناجحة”.
لذلك، وبحسب الخشاشنة، “يتم الآن إعادة توجيه الحملات، لتشمل ما تضمنه القانون الإطاري لإدارة النفايات من عقوبات، في حال تم إلقاء النفايات عشوائياً، والتي تبدأ من خمسين دينارا للمرة الاولى، تتضاعف تدريجياً، وقد تصل حد الحبس”.
ومن أجل هذه الغاية، أكد الخشاشنة أنه سيتم “خلال أسبوعين توزيع دفاتر على المرتبات الأمنية المعنية بهذا الشأن لتحرير مخالفات الإلقاء العشوائي للنفايات”.
وأكد أن “هناك ثلاثة مسارات يجب المضي بها للحد من هذه المظاهر، وتشمل حملات توعية للمواطنين، مع توفير البنية التحتية اللازمة للتعامل مع المخلفات من خلال نشر الحاويات، وأخيرا تطبيق القانون”.
ومن بين أحد “أهداف القانون الاطاري الحد من الإلقاء العشوائي، وتفعيل العقوبات الواردة في بنوده بحق من يقوم بهذا الفعل”.
وتنص المادة 28، الفقرة ج من القانون الإطاري لإدارة النفايات على “يعاقب بغرامة لا تقل عن خمسين ديناراً ولا تزيد على خمسمائة دينار كل شخص قام بطرح أي نفايات، او أشياء أخرى في غير الأماكن المخصصة لها، أو في الشارع العام، او في الحدائق، أو في مجاري السيول، أو بالقرب من السدود أو مصادر المياه، أو الآبار الارتوازية، أو في المناطق الخاصة (السياحية، الأثرية، الدينية، وغيرها)، أو في المباني العامة، أو الدوائر والمؤسسات الحكومية، أو في المنشآت الرياضية، أو الموانئ والمطارات، أو المراكز التجارية، وفي حال تكررت المخالفة تضاعف الغرامة”.
وتعاقب، الفقرة (د) من ذات المادة “بالحبس مدة لا تقل عن أسبوع ولا تزيد على شهر، أو بغرامة لا تقل عن مائة دينار، ولا تزيد على الف دينار، أو بكلتا هاتين العقوبتين، كل شخص قام بطرح أي نفايات، أو أي أشياء أخرى، في المحميات الطبيعية، والمتنزهات الوطنية”.
ويطال تأثير الإلقاء العشوائي للنفايات “قطاع الثروة الحيوانية كذلك”، حيث أجمل مدير عام اتحاد المزارعين محمود العوران الآثار السلبية لهذه الظاهرة بـ”تناول الماشية للأكياس البلاستيكية التي تتطاير مع الهواء، أو التي تبقى في الأراضي مما يتسبب بوفاتها، نتيجة عدم وجود علاج لها على المدى القصير او المتوسط أو الطويل”.
وأكد العوران أن “الثروة النباتية ليست بمعزل عن التأثيرات السلبية، لأن المخلفات الصلبة والسائلة تنعكس سلباً على خصوبة التربة، كونها تشكل طبقة عازلة لدخول المياه، فتضعف قوامها”.
وفي رأيه “لا بد من تفعيل دور الإرشاد الديني، وتغليظ العقوبات على المخالفين، ونشر الشرطة السرية خلال فترات تنزه المواطنين لتحرير المخالفات بحق من يلقي النفايات بشكل عشوائي وفي غير الأماكن المخصصة لذلك”.
ولفت الى “ضرورة سن الانظمة والتشريعات والاستراتيجيات، كون حملات التوعية التي تقوم بها وزارة البيئة غير مجدية ولا كافية لمنع هذه الظاهرة، مع ضرورة وجود دور لوزارة الزراعة وأمانة عمان الكبرى في هذا الصدد”، مؤكدا أن “منظمات المجتمع المدنية يقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في المساعدة بعمليات التوعية، بحيث لا يجب أن يقتصر عملها على ورش العمل والأنشطة دون عمل حقيقي على أرض الواقع”.
وتتفق المدير التنفيذي في شركة حمى للاستشارات البيئية سناء اللبدي مع سابقيها في أن “حملات التوعية، التي تطلقها الحكومة والجهات المختلفة، غير مصممة بالشكل الصحيح، ولا يتم دراسة الفئات المستهدفة منها، حيث إن الداعم أو الممول لها، يكون لديه فكرة محددة بشأنها لتنفيذها، لكن قد تكون الطريقة بإيصالها خاطئة”.
وشددت على أن “الحملات تخضع لأمزجة الممولين، والأشخاص المنفذين لها، كما أن القوانين غير مفعلة ولا يتم توجيه عقوبات بحق المخالفين، والمناهج التعليمية كذلك لا تحتوي ما يكفي من معلومات حول إلقاء النفايات والمخاطر والانعكاسات السلبية لها”.
وبينت أن “معدلات الإلقاء العشوائي للنفايات بارتفاع، ما يتطلب إعادة النظر بكافة الأنشطة التي يتم تنفيذها في هذا الصدد، إذ لا بد من استهداف طلاب المدارس، مع تعزيز مفاهيم الانتماء بالحفاظ على النظافة، وعدم الإلقاء العشوائي للنفايات”.
وأكدت اللبدي أن “النفايات تؤثر على التربة والمياه، نتيجة احتوائها على العديد من المواد الضارة وعلى رأسها البلاستيك، وتلك التي تصنف بأنها خطرة”.

 

المصدر: الغد