بأقلامهم

حمّامات إيفانكا وجاريد

ن قلة أخلاقه، ومن طريقة كلامه وعجرفته وغروره وخبثه الذي لا يجهد في إخفائه، وانعدام احترامه البشر، وتباهيه بجهله، يكون قد فاته فهم الأهم عن “ظاهرة” هذه العائلة طوال أربع سنوات من الكابوس. الفهم القاصر يطاول أيضاً مَن لم يرَ في الصهر، جاريد كوشنير، صورة الولد الذي دُلّع حتى فسد، أو أصبح “منزوعاً” بلهجة أهل بلاد الشام. شاب قال له أهله الأثرياء ذات يوم إنه عبقري زمانه، فصدّق وهندس حياته على هذا الأساس. أما الابنة إيفانكا، فصارت معروفة المعلومات حول عظمة هواياتها الفكرية، بين حقائب اليد والأزياء والفساتين والأحذية. الشخصي هنا يستحيل فصله عن السياسي. فللأخلاق، بمعناها الإنساني الواسع لا الديني الضيق، حيّز واسع في الممارسة العامة. هذا أكيد ولا تفعل قصة الحمّامات الستة لمنزل إيفانكا وزوجها جاريد سوى الإيغال في تأكيده. القصة كشفتها صحيفة واشنطن بوست قبل أيام. هي لا تعني هُواة القضايا الكبرى، ذلك أن لا سياسة فيها. هي عن قلة تربية وتهذيب واحترام، واحتقار للناس الأدنى رتبة في التصنيف الاجتماعي، بطلاها جاريد وإيفانكا. مساحة القصة الصحافية ألفا كلمة تقريباً. ساحتها منطقة كالوراما، أرقى أحياء العاصمة واشنطن، لجهة شمالها الغربي. هناك يقطن الثنائي منذ 2017 في منزل مساحته 500 متر مربع تقريباً، إلى جوار مئات “النجوم” من رؤساء ووزراء سابقين ومقار أبرز السفارات الأجنبية وكبار أثرياء أميركا والعالم، منهم جيف بيزوس، مالك الصحيفة التي نشرت التحقيق الاستقصائي.
في منزل الثنائي كوشنير ستة حمّامات، استخدامها محظور على المرافقين الأمنيين الكثر للشاب وزوجته وأولادهما الثلاثة، ممن يحرسونهم على مدار الساعة. أزمة محرجة لم تنفع الحلول الترقيعية معها. ظل الحراس يستخدمون أحد حمّامات منزل باراك أوباما القريب جداً من بيت كوشنير، وحمّاماً في منزل نائب الرئيس مايك بنس (البعيد حوالي 1.6 كيلومترات) وأحياناً يلجأون إلى أحد المطاعم المجاورة، حتى أنه تم جلب حمّام متنقل لهم لم يطل وجوده لأن سكان الحي المخملي أزعجهم منظره في وسط جنّتهم. ظلت الإهانة اليومية على هذا الحال إلى أن استأجرت الحكومة شقة صغيرة للحراس قريبة من منزل آل كوشنير، في مقابل 3 آلاف دولار شهرياً، فقط لكي يتمكنوا من الاستحمام وقضاء حاجتهم. ومنذ سبتمبر/ أيلول 2017 حتى سبتمبر المقبل (2021)، موعد انتهاء عقد الإيجار، سيكون المكلفون بالضرائب في أميركا قد دفعوا 144 ألف دولار، فقط كي لا يتعكّر خاطر السيدة والسيد وأحد حماماتهم الستة. والحكومة الأميركية معتادة على تكاليف من هذا النوع، فهي دفعت للفنادق التي يملكها أبناء ترامب بالإنابة عن والدهم (إيفانكا وإريك ودونالد جونيور)، 238 ألف دولار على الأقل بدل إقامة حراسهم في فنادق تابعة لـ”شركة ترامب” خلال زيارات قاموا بها لوالدهم خارج البيت الأبيض، بحسب ما كشفته “واشنطن بوست” أيضاً في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. انتهت حكاية دورة المياه، وقصة إقامة الثنائي في واشنطن مرشحة للانتهاء قريباً، وقد اشتريا قطعة أرض بقيمة 30 مليون دولار أخيراً في إحدى جزر فلوريدا التي ستكون مقرّ إقامة ترامب الأب والعشيرة على ما يبدو.
القصة لا تنتمي إلى قاموس النميمة الصحافية. هي سياسية جداً في إتاحة فهم (متأخر) للتركيبة النفسية الأخلاقية لرجل مثل جاريد كوشنير، كلّف نفسه وكُلف بأخطر قضايا العالم وأكثرها تعقيداً وحاجة لمؤهلات إنسانية وأخلاقية. فهم نفسي سياسي متأخر لسيدة ظنت أن وظيفة مستشارة لرئيس أقوى بلد في العالم هي حفلة علاقات عامة تسرق فيها إعجاب أصحاب قرار، فينال والدها ــ رئيسها العقود والتوقيعات.
انتهى وقع كابوس العائلة على العالم، لكنه لن ينتهي بالنسبة للحراس والمرافقين. يمكن لجاريد وإيفانكا أن يستأنفا أعمالهما التجارية من فلوريدا، بسلام، كأقوى ثنائي “منزوع” في العالم.