بأقلامهم

فاتورة عربية لخطيئة اقتحام الكونغرس

 في العداء للديمقراطية، كانت في الولايات المتحدة، قضية جدلية سنوات طويلة، باستثناء هدنة قصيرة خلال الفترة الثانية من رئاسة جورج بوش الابن، وأرجّح أن تتحوّل إلى قضية مفصلية، لأسباب موضوعية وأخرى آنية.

والاتفاقات المتعجلة التي قدمتها دول عربية للتطبيع مع إسرائيل في سياق علاقتها بإدارة ترامب استهدفت، بشكلٍ لا تخطئه العين، تحسين فرصة ترامب للفوز بفترة رئاسية ثانية، كما أنها استهدفت إجبار الإدارة المقبلة على تبنّي أجندة هذه العواصم، كجزء من الأجندة الأميركية في المنطقة، أي أنهم توهموا إمكان “اقتياد” أميركا من خلال “شراء” الرئيس شخصيًا، بدلًا من الاتساق مع سياسة أميركية تمثل الدولة.

الأموال العربية التي تدفقت على جماعات الضغط وشركات العلاقات العامة الأميركية، بحجم غير مسبوق، ستكون موضوع مراجعة

من ناحية أخرى، فإن الأموال العربية التي تدفقت على جماعات الضغط وشركات العلاقات العامة الأميركية، بحجم غير مسبوق، ولتحقيق أهداف لم يسبق لعاصمة عربية أن سعت إلى تحقيقها، ستكون موضوع مراجعة ستقلّص قدرة بعض هذه العواصم، وستقلّص جرأتها في الوقت نفسه، على السعي إلى تحقيق مثل هذه الأهداف مرّة أخرى، وبخاصة في ظل المكاسب الكبيرة التي حققتها روسيا في المنطقة، برعاية بعض هذه العواصم. وإدارة أوباما التي يعيد بايدن إنتاجها تقلق كثيرين في الخليج وخارجه، والثارات التي ظلت حاضرة في ممارسات حلفاء ترامب (وفي خطاب ترامب نفسه بعد انتهاء حكم أوباما بسنوات) مرشّحة لأن تعكر المياه. وقد كان اقتحام الكونغرس مشهد الختام في ملهاة سياسية عربية/ أميركية، ارتبطت فيها عواصم حليفة لواشنطن بمساعٍ معلنة لمنع الديمقراطيين بـ “أي ثمن” من العودة إلى السلطة.

وقائمة مخازي ترامب الطويلة في سياساته تجاه الرياض وأبوظبي، وغيرهما من العواصم، شكلت عامل استقطاب ديمقراطي/ جمهوري حاد. صحيحٌ أنه كان للقضايا الداخلية الأميركية الأولوية القصوى، لكن المنطقة العربية أصبحت أكثر حضورًا في واشنطن منذ بدأ “الربيع العربي”، وكان حضورها في قلب عاصفة الصراع على مستقبل أميركا، وفي الكفة الخطأ. والتغاضي عن واقع الحريات في المنطقة، خلال سنوات رئاسة ترامب، وصولًا إلى الاغتيال المأساوي للصحافي السعودي، جمال خاشقجي، سوف يكون، على الأرجح، سلاحًا من أسلحة تصفية الحسابات مع ترامب. وتصفية الحساب هذه المرة ستكون عبر إعادة هيكلة نفوذ حلفاء ترامب الذين اشتروا صمتًا أميركيًا في اليمن وليبيا وسورية… وغيرها من الملفات، لا على حساب القيم الأميركية وحسب، بل على حساب المصالح كذلك، والوجود الروسي المتنامي على سواحل البحرين، المتوسط والأحمر، والتحالف الروسي التركي، ليس كل الخسائر.

ما كان محتملًا قبل اقتحام الكونغرس سيكون شبه مؤكّد بعده. والمرجّح أن تكون فاتورته عربيًا كبيرة

واقتحام الكونغرس، مترافقًا مع جمع الحزب الديمقراطي أغلبية في الكونغرس بمجلسيه، منح الديمقراطيين مشهد ختام صاخبا، وزخمًا ربما لو ذهبوا بخيالهم إلى أبعد حد لما تخيلوه، والرغبة في تقويض الديمقراطية الأميركية ستكون، في الأجل المنظور، التعبير الأكثر إثارة لغضب الأميركيين، فصورة الاقتحام، بتفاصيلها الهزلية الصادمة، وفرت للرئيس المنتخب، بايدن، رأس المال الرمزي الأكثر قيمة لحشد الأميركيين، وراء عملية إعادة هيكلة قادمة لا محالة، للعلاقات الأميركية مع الحلفاء الذين ساعدوا “الرئيس الانقلابي” مساعداتٍ سخيةً مالية وسياسية، بأمل الإملاء على عاصمة القوة الكبرى في العالم. لقد كانت الفترة الثانية من حكم باراك أوباما فترة بناء حواجز واضحة بين مصالح أميركا ومصالح حلفائها، فكانت هناك “جفوة” كبيرة بين واشنطن من ناحية وتل أبيب والقاهرة وعواصم الخليج، وكان موقف إدارته من “الربيع العربي” وإيران أكثر الملفات خلافية، وكلا الملفين اليوم حاضر، والخلاف حوله سيعاد إنتاجه، قطعًا، في ظل إدارة رئيسٍ كان نائبًا لأوباما فترتين. وأحسب أن ما كان محتملًا قبل اقتحام الكونغرس سيكون شبه مؤكّد بعده. والمرجّح أن تكون فاتورته عربيًا كبيرة.