بأقلامهم

أعيش في بيت مشمس

أعيش في بيت تدخله الشمس بقوة طوال النهار. تسير الحياة تحته بصخب كما أحب تماما، صخب الحياة وضجيجها الذي يحميني من العزلة. ويتيح لي، في الوقت نفسه، أن أكتشفها داخلي بهدوء. إذ لطالما آمنتُ أن على المرأة لتتأمل عزلتها أن تكون وسط الصخب، وسطه فقط يمكنها أن تكتشف تلك المساحة المهولة من الفراغ والخوف الذي تغطّيه بابتسامة أحيانا، أو بالصداقات أو بالحب أو بالكتابة، الخوف من الوحدة ومن التقدّم في السن، ومن الفقد ومن العجز ومن الموت. تأمل هذا كله في داخلي يخفّف من وطأته ضجيج الحياة حولي، يضيع وسط الضجيج، فلا أجده إلا نادرا. أتخيّل لو أنني، في سني هذه، أعيش في مكان هادئ ومنعزل، وبعيد عن البشر، كان الخوف في داخلي سوف يتحوّل إلى اكتئاب، إلى علةٍ نفسية ربما، سأحتاج وقتا طويلا لعلاجها.
يستغرب بعض الأصدقاء لماذا أعيش حيث أعيش الآن، وأنا متاحٌ لي أن أغير مكان سكني إلى أمكنة أكثر هدوءا بكثير. يستغربون تعودي على الضجيج وعدم اكتراثي به. كيف سأخبرهم أن الضجيج نفسه الذي أعيش في وسطه هو وسيلتي للحفاظ على بقايا القوة التي بي؟ أن يكون البشر بصخبهم هم مصدر طاقتك الإيجابية نعمة، عليك أن تكوني ممتنةً لها دائما، ربما لا يمكن لمن يحب العيش في هدوء تفهم هذا. لا بأس، ثمّة أشياء لا داعي لشرحها أو تفسيرها للآخرين. ثمّة أشياء أنا نفسي لا أستطيع تفسيرها، أشعر بأن قيمتها ربما بسبب هذا الغموض الذي يحيط بعلاقتي بها، الجمال يكمن أحيانا في الغموض.
أعيش في بيتٍ تدخله الشمس بقوة طوال النهار. جدرانه مغطاة بلوحات عظيمة، تركها أصدقاء رائعون لي، كي لا أبقى وحيدة، كل لوحة تحمل بين ألوانها شخصية صاحبها. يخيل لي أحيانا أن بيتي يضجّ بالحوارات المختلفة، وكأن أصحابها، أصدقائي يعيشون معي. أسمع حواراتهم عن الفن، وتمتلئ روحي بهذا الجمال: الخطوط، الألوان، الظل، الفراغ، الكولاج المستخدم، الحفر، التجريد، الحجم، الخيال، الفكرة وراء كل لوحة، ثم أحاول أن أتخيّل كيف يرسم الفنانون أعمالهم؟ هل تنتابهم لحظاتٌ شعوريةٌ ما تدفعهم إلى الرسم، أم أنهم يقرّرون الآن البدء بلوحةٍ ولتأت كما تأتي؟ أفكر بالشبه بين الفن التشكيلي والكتابة، الشعر تحديدا، الاثنان فرديان جدا في لحظة إنشائهما، الاثنان يستحضران كل التراكم المعرفي الذي يحفّز الخيال، الاثنان يحتاجان الموهبة والثقافة والعاطفة، والحرفية. لا تستمر تجربة الفنان التشكيلي من دون الحرفية، كذلك الشاعر، على أنه إن طغت الحرفية في الاثنين على العاطفة نجم عن ذلك فن جميل لكنه بلا حياة، بلا صخب الحياة الذي أحبّه. ليس هذا تنظيرا حتما، لا أدّعي شرف التنظير، هو فهمي الشخصي لما يجب أن يكون عليه الفن، ألم أخبركم؟ أصدقائي الفنانون يعيشون معي وأتناقش معهم يوميا حول ماهية الفنون.
أعيش في بيت تدخله الشمس بقوة طوال النهار. لدي قطة صغيرة بيضاء، أو في الحقيقة لا أعرف من منا لدى الآخر. تشعر القطط أن المنزل الذي تعيش فيه ملك لها، أنها صاحبته، وكل من في المنزل ضيوف عليها، يقال إن القطط ترتبط بالمكان لا بالأشخاص. لهذا يفضّل بعضهم تبنّي الكلاب، يقولون إنها أكثر وفاءً لأصحابها من القطط. لم أفهم يوما هذه النظرية، أحب في قطتي ذاتها الواضحة، عدم الطاعة، التمرّد على التدجين، على الرغم من التاريخ الطويل من التدجين الذي تعرّضت له القطط وباقي الحيوانات الأليفة. وأعترف أنني متعلقة بها جدا، وأخاف من لحظة فقدها، أعترف أيضا أنني صرت أحزن على رحيل هذه الكائنات أكثر من حزني على رحيل البشر. هذه الكائنات الوديعة البريئة تماما، أفكر دائما أن البراءة والبشر حالتان متناقضتان، إذ يلغي الإدراك البراءة. وحدهم الأطفال قبل تشكل وعيهم الأول يكونون أبرياء. أستغرب ممن يستهجن أحزاننا على حيواناتنا الأليفة. أستغرب أكثر ممن يتعامل مع هذه الكائنات كما لو أنها دمى للتسلية. يعرف ما أتكلم عنه من يعيش مع حيوان أليف، يعرف ذلك أيضا من يؤمن أن الإنسان نتيجة مراحل متعدّدة من تطوّر الحيوانات، القردة تحديدا، من يدري ما الذي سوف تصبح عليه القطط في مراحل تطورها بعد مئات السنين؟
أعيش في بيتٍ تدخله الشمس بقوة، أستمع إلى الموسيقا كل يوم صباحا، وأكلم أصدقائي يوميا، وأدرك أنني محظوظة بهم، مثلما أنا محظوظةٌ بمن ساعدوني، لتبقى كرامتي محفوظةً خلال السنوات الماضية. تأخذ مني الحياة وتعطيني أكثر مما تأخذ، لماذا لا أكون ممتلئة بالرضى والامتنان إذا؟