كيف الجو؟

بروق كتاتمبو؟ تلك الظاهرة الطبيعية العجيبة والنادرة جدًا

”صدمتني مثل الصاعقة أو مرّ بسرعة البرق!“ تشير هذه العبارات وما شابهها إلى القوة المفاجئة والندرة التي لا يمكن التنبؤ بها للصواعق الطبيعية، فمن القليل والمثير للإعجاب أن ترى عدة صواعق تنزل في نفس المكان ونفس التوقيت. لكن ماذا لو كان ذلك حدثًا شبه يومي ولم يفاجئ أحدًا؟

عبارة ”البرق لا يضرب نفس المكان مرتين“ تفقد كل المعاني في حالة (بروق كتاتمبو) أو (منارات مركايبو). فهناك البرق شائع جدًا في بعض الجيوب الفنزويلية لدرجة أنه يحمل أسماء مختلفة تمجّد حدوثه الدوري الذي لا نراه في أي مكان أخر في العالم.

ما هي بروق كتاتمبو؟

في شمال غرب فنزويلا، في المكان الذي تلتقي فيه بحيرة مركايبو بنهر كتاتمبو، تحدث ظاهرة البرق المذهلة هذه، في المتوسط، ثماني وعشرون مرة في الدقيقة لمدة تصل إلى تسع ساعات كل يوم بعد الغسق، لمدة 300 يوم في السنة، مصحوبة بعاصفة بالطبع. بذلك سيشهد كل كيلومتر مربع 250 صاعقة كل عام.

بحيرة مركايبو هي أكبر بحيرة في فنزويلا، وهي خليج مائل إلى الملوحة يلتقي بالبحر الكاريبي في الشمال.

خريطة بحيرة مركايبو.صورة: NormanEinstein/Wikimedia Commons

جعلت هذه التكرارات المركزة بشكل غير عادي من برق كتاتمبو ظاهرة فريدة بحد ذاتها، وهي أكثر ما تكون نشاطًا في شهري أيلول وتشرين الأول، وأقل نشاطًا في كانون الثاني وشباط. هناك منطقتان معروفتان أكثر من غيرهما بهذا الحدث الرائع هما المنطقة الجنوبية الغربية من البحيرة والحدود بين كولومبيا وفنزويلا. بيد أن هذه الظاهرة سبق واختفت لعدة أشهر بدءًا من كانون الثاني عام 2010، لكنها عادت مرة أخرى بعد توقف قصير، حيث عزا البعض ما حدث إلى تغيير أنماط الطقس العالمية.

هذه الظاهرة المذهلة تخلق مشهدًا رائعًا تضيء فيه السماء بخطوط من الألوان الفسفورية، حيث يندمج الضوء الأبيض مع الغبار والرطوبة لخلق وهم نابض بالحياة والألوان. ورغم شدة وكثافة الصواعق وقدرتها على أن تضيء مناطق تصل مساحتها إلى 400 كم، إلا أن صوت الرعد المصاحب شبه صامت بالنسبة لأي شخص سوى الشهود المباشرين القِراب. إذ يتعارض حدوثها فوق الماء أثناء الليل مع النمط العام لوقوع البرق، والذي يميل إلى الضرب فوق اليابسة في فترة ما بعد الظهر.

ساعدت هذه الظاهرة فنزويلا في أن تكون صاحبة الرقم القياسي في كتاب غينيس ”لأعلى تركيز للبرق“. وبذلك حلّت محل سلفها، جمهورية الكونغو الديمقراطية، في أكبر عدد من ضربات البرق. وقد أطلقت ناسا على هذه الظاهرة التي عرفت منذ زمن طويل، واستخدمها البحارة بالفعل كوسيلة للملاحة وسماها السكان المحليون إضافة للصيادين الذين يعتاشون على البحيرة بـ”نهر النار“، أطلقت عليها ”نقطة البرق الأسخن“ في العالم.

كيف يضرب البرق؟

سحابة ركامية.صورة: Staticflickr

يُعرف البرق بأنه تفريغ كهربائي ناتج عن اختلالات بالشحنة بين غيوم العواصف المشحونة والأرض، أو تفريغ كهربائي داخل السحب العاصفة نفسها. تتشكل غيوم العواصف بعملية يتم فيها تسخين الهواء القريب من الأرض بواسطة الشمس فيتحرك لأعلى، والهواء البارد بطبيعة الحال أكثر كثافة من الهواء الدافئ. قد تساهم أسطح الجبال أو اصطدام الكتل الدافئة والباردة في خلق نفس التأثير. تتكاثف الرطوبة في الهواء الدافئ على شكل قطرات ماء وتستمر في الارتفاع، مما يؤدي إلى استمرار زيادة كثافة السحابة.

تزداد قطرات الماء في الحجم حتى تصبح ثقيلة جدًا بحيث لا تستطيع السحابة رمادية اللون حملها. يتحرك الهواء البارد للأسفل ويسحب الماء معه على شكل هطول مطري. هنالك نوع يُسمى السحب الركامية والتي تظهر على شكل أبراج فردية ضخمة تحوي قطرات الماء على الارتفاعات المنخفضة وبلورات جليدية ودرجات حرارة منخفضة للغاية في أعاليها. يمكن أن تؤدي هذه التكوينات إلى ظهور غيوم نادرة تسمى السحابة الخارقة مع عواصف رعدية قوية تستمر لساعات وتحدث الكثير من البرق.

في هذه الحال، تتسبب جزيئات المطر والجليد والثلج المتصادمة داخل سحب العاصفة في تكوين شحنات سكونية. قد تتصادم قطرات الماء في الهواء الرطب المتصاعد أيضًا مع الجليد في الهواء البارد لتكوين شحنة ساكنة. تتقارب الشحنات السالبة في قاع السحابة وتصبح الأشياء الموجودة على الأرض مشحونة إيجابًا.

يؤدي الخلل الناتج عن هذه الشحنات إلى تكوّن ضربات البرق، حيث يتعرج تفريغ الشحنات إلى الأرض أو داخل السحابة ويظهر بهيئة البرق. يمكن للحرارة الشديدة المنبعثة من وميض البرق جعل الهواء المحيط أكثر سخونة بخمس مرات من سطح الشمس. ويمكن أن يتسبب أيضًا في تمدد الهواء واهتزازه، مما يؤدي إلى حدوث قصف رعد متفجر.

ما العوامل التي تجعل بروق كتاتمبو مميزة للغاية؟

أحد بروق كتاتمبو.صورة: Pixabay

يمكن وصف وفهم عملية تكون البروق بسهولة لأي هاوي من خلال العملية المذكورة أعلاه، فما الذي يجعل «بروق كتاتمبو» أعجوبة طبيعية تلفت الانتباه؟

هذه الظاهرة ناتجة عن تفاعل العديد من العوامل المحلية والموسمية المتعلقة بالمناخ. كذلك تساهم بعض السمات الطوبوغرافية الفريدة للمنطقة في تصاعد وتيرة حدوث تلك البروق. فيُعد عدم استقرار الهواء والرطوبة من العوامل الدافعة التي تلعب دورًا رئيسيًا في نشوء هذه الظاهرة.

توفر شمس الصيف الاستوائية، والحرارة الناتجة عنها والساحبة للرطوبة من البحيرة، إضافةً إلى البحر الكاريبي بمياهه الدافئة الدائمة، كل ذلك يوفر رطوبة كافية لوقوع العواصف المستمرة. كذلك هناك تلال جبلية، جزء من سلسلة جبال الأنديز، تطوق ثلاثة جوانب من البحيرة، تاركة للهواء الدافئ مساحة محدودة للتحرك شمالًا. كما تهب رياح قوية وباردة عبر هذه السلاسل في المساء وتصطدم بالهواء الدافئ المتصاعد لخلق مستوى مثالي من عدم الاستقرار يسهم في تغذية تكوين سحابة ركامية.

الاضطراب الذي يحدث نتيجة اصطدام الهواء الدافئ والبارد أمر بالغ الأهمية لتكوين سحابة العاصفة. هذه السحب الشاهقة مسؤولة أيضًا عن زيادة تواتر البرق. تتصادم قطرات الماء في الهواء الرطب والدافئ وبلورات الثلج في الهواء البارد لتكوين شحنات سكونية قوية بما يكفي لإضاءة 100 مليون مصباح كهربائي.

ما سبب استمرار تواتر هذه البروق؟

المنظر من بعيد.صورة: Thechemicalengineer/Wikimedia Commons

عشر دقائق من هذا البرق يمكن أن تضيء أمريكا الجنوبية كلها، فما هي العوامل التي تجعلها حدث يمكن التنبؤ به كالروتين اليومي؟

في السابق، كان يعتقد أن رواسب الميثان واليورانيوم تحت سطح البحيرة تغذي موصّلية الهواء فوقها. جرى اعتبارها تفسيرات محتملة، لكن تم دحضها لاحقًا بسبب نقص الأدلة.

طوّر (أنجيل مونيوز) نموذجًا يمكنه التنبؤ بحدوث البرق، أو على الأقل الظروف المناخية المرتبطة بنوبة البرق القادمة. استخدم بيانات جمعت على مدار سبعة عشر عامًا من دراسة أجريت بواسطة «كاشف العبور البصري» على القمر الصناعي OrbView1 و«مستشعر تصوير البرق» على قمر صناعي آخر مخصص لمهمة قياس معدل هطول الأمطار الاستوائية. كما تطرق لتأثيرات العوامل المختلفة، مثل درجات حرارة سطح البحر والرطوبة والرياح وطاقة الحمل المتاحة المحتملة CAPE في نشوء هذه الظاهرة. متغير CAPE هو مقياس لعدم الاستقرار وهو شرط أساسي في نشوء العاصفة.

وجد النموذج أن مزيجًا من متغير CAPE و”تدفق ليلي منخفض المستوى لحوض مركايبو“ هو المسؤول عن حدوث البرق اليومي. وهذا التدفق هو عبارة عن تيار سريع من الهواء ينبعث وينحسر مثل المد بين سطح البحيرة وقاع السحب. بذلك ينقل الرطوبة من منطقة البحر الكاريبي والبحيرة إلى حوضها الجنوبي الغربي، والذي يتفاعل بعد ذلك مع سلاسل الجبال. أي إنه نمط رياح شمالية جنوبية ينشأ بسبب الاختلافات في درجات الحرارة بين منطقة البحر الكاريبي والبحيرة.

هذا التدفق ذات المستوى المنخفض يعتبر عامل محلي يبعث يوميًا نشاط البرق للحياة، حيث يحدث بشكل عام في نفس الوقت كل يوم. ومع ذلك، يتم أخذ بعض المحركات الموسمية في الاعتبار من أجل التنبؤ بمقياس الرطوبة التي ستنقلها. فيجب توافر رطوبة كافية لتكون قادرة على توليد الشحنات السكونية والبرق، والتي يمكن استخدامها لشرح شدة وتواتر العاصفة. تؤدي بعض أنماط الطقس لظاهرة «إيل نينو» وهي طقس أكثر جفافًا ذا خاصية نقل رطوبة أقل. قد يكون لأنماط الرياح الموسمية غير المارّة في المنطقة، مثل «التدفق الكاريبي منخفض المستوى»، تأثير على شدة البرق كذلك.

أعجوبة طبيعية

لقد قطعت ظاهرة بروق كتاتمبو شوطًا طويلاً من كونها لغزًا خارقًا إلى حدث أرصاد جوية فريد لكن معتاد، ويمكن تفسيره من خلال بعض المتغيرات الطبيعية وتفاعلاتها. ومع ذلك، فهي شيء بعيد كل البعد عن ”الطبيعي“، ويتحدى كل التوقعات الموضوعة لموجة من البرق التقليدي المعتاد، وما يزال يثير إعجاب واستغراب كل رأيٍّ.