بأقلامهم

الانتخابات النيابية وما بعدها

عادل حواتمة

صحيفة الملاذ الاخبارية

رُبما جاءت الانتخابات النيابية لتكشف بعضاً من قصور مُخرجات مؤسساتنا التعليمية، والسياسية، والاجتماعية، إلى جانب عملها ك “باروميتر” لقياس مدى الوعي الجمعي ومستوى التأهيل والثقافة السياسية السائدة. فالانتخابات النيابية بحد ذاتها دون الالتفات إلى سياقات ظروفها الإجرائية، تُشكل وسيلةً لازمةً ودورية لإعادة إنتاج فواعل تشريعية ورقابية؛ لترفد رُكناً حصيناً من اركان الحُكم والمُتمثل بالبرلمان والذي يشكل نصف السلطة التشريعية. لذا، فإن هذا المقال غير مُخصص للنقاش حول مدى صلاحية قانون الانتخاب، وما يقف خلف قرار اجراء الانتخابات من عدمه، او مدى مصداقية النتائج، وفرضيات الخطأ او التلاعب، بقدر ما يُناقش ما أعقب الانتخابات من مظاهر مختلفة تؤشر إلى استشراف خُلاصات تنبؤ بوجود ازمة وعي وانتماء، تبدأ ولا تنتهي بالفرد، سواءً كان مواطناً اجتماعياً عادياً او مواطناً يشغلُ منصباً سياسياً يمتد أثره إلى باقي الجوامع الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.

اشتملت المظاهر التي رافقت اعلان نتائج الانتخابات على التجمعات غير القانونية والمُخالفة لقانون الدفاع؛ سواءً الاحتجاجات على النتائج، او الاحتفالات بالنتائج، ورافق المشهدين إطلاق للعيارات النارية بكثافة، وبشكل يهدد حياة المواطنين، ويتجاوز مفهوم تحقيق الامن الذاتي من خلال السلاح الشخصي، إلى مستوى الاستعراض غير المقبول، ونحن في الاردن لطالما ودعنا أبناءً واخوة قضوا نتيجة هذا التعبير غير المسؤول عن الفرحة او الغضب. سيما وان وسائل التواصل الاجتماعي تنقل بسرعة، وكثافة جماهيرية، دون الالتفات إلى العواقب المُترتبة على ذلك؛ كونها تعمل دون فلترة للمحتوى.

لدينا في الأردن فريقاً واحداً وليس اثنين، ولكنه يُمارس بكفاءة للأسف الدورين ببراعة غير بريئة، واقصد أولئك الذين ينتقدون أداء الدولة امنياً خلال تلك الاحداث؛ فحين تتعامل الدولة من خلال أجهزتها الأمنية مع المواطنين الخارقين للقانون، والمُعرضين حياة الناس للخطر، بالحكمة ومحاولة احتواء الموقف ضمن استراتيجية امنية تقوم على التدرج واستخدام القوة المُكافئة، بما فيها “الكلمة” فإنهم يصفون الأجهزة الأمنية بالتراخي، والضعف، وفقدان السيطرة. ولو افترضنا المشهد ذاته، وانتقلت الأجهزة الأمنية الى المستوى الآخر من التعامل مع ذات الموقف، بشيء من استخدام الغازات المُدمعة وتفريق التجمهرات بشقيها الغاضبة والمُحتفلة دون ان تجرح اردنياً، لخرج لنا ذات الفريق ايضاً، ليُحَورَ وصفها السابق لذات الأجهزة، بأنها بالغت باستخدام العنف، واستقوت على المواطنين الى آخر ذلك من التوصيفات الظالمة والتي لا نرضاها لأجهزتنا الأمنية.

إذا، هنا نتبين بأن هذه الفئة المتذبذبة و”الزئبقية” لا تصلح أن تكون مرجعاً لإصدار التعميمات والاحكام، حسناً، ولكننا بحاجة الى مرجعية حتى تفصل بين ما تم تأديته وشكل تكييفه، ومن ثم اصدار الحكم عليه، من تكون يا ترى؟. نعم، صدقتم انه القانون، والدستور، والدين، والفطرة السليمة والتي تتسق مع مقاصد حفظ النفس البشرية. وهل يشُك احداً بانحيازية أي منها؟ نعم، إذا افترضنا وان هناك انحيازاً، فانه لصالح الإنسان الأردني المُلتزم، فرداً كان او ضمن مجموعة سياسية، أو اقتصادية او حتى عشائرية او عائلية.

ولكم ان تتخيلوا حجم المواجهة الأردنية -الأردنية لو ان الأجهزة الأمنية تدخلت باللحظات الأولى لإعلان النتائج، فلقد كان لدينا ١٣٠ مترشحاً ومترشحة قد نجحوا، وبالمقابل لو افترضنا ان لدينا ٥٠٠ مترشح فقط لم ينجحوا فنحن امام ٦٣٠ مقراً ولو افترضنا ان لدينا بكل مقر ٨٠٠ شخص سيكون لدينا ما يقرب من٥٠٠،٠٠٠ نصف مليون اردني مدفوعين ومشحونين إما بالفوز او مُثقلين ومحبطين بالهزيمة مقابل ٥٣٠٠٠ رجل امن ولك ان تتخيل النتائج، ولا ينتهي الموضوع هنا فقط، بل انه يمتد الى ان هذه المواجهة لا قدر الله ستكون مفتوحة في جميع مناطق المملكة، وبالتالي العواقب ستكون كارثية على الجميع. لذلك، اعتقد ان تدخل الأجهزة الأمنية جاء بالوقت المناسب من حيث التريث قليلاً، والدليل على ذلك انه وبعد رفع مستوى الاستراتيجية الأمنية كانت هناك مواجهات محدودة تمثل عينة بسيطة فقط عما كان سيتم بشكل اشمل وأكبر لو ان التدخل كان لحظياً مع أكثر من نصف مليون أردني. قد يقول قائل ان انتشار التجمهُرات يساهم بانتشار الفايروس، نعم هذا صحيح، ولكن غياب الالتزام هو السبب الرئيس في الانتشار وليس اجراء الانتخابات، والامثلة كثيرة حولنا عن اجراء انتخابات في هذه الأوقات، ولم يتم خرق القانون بالمستوى الذي دشناه اردنياً للأسف أضف لذلك، ان عملية التدخل المباشرة لو تمت ستضاعف النتائج التي قد تنشأ عن انتشار الفايروس، وبالتالي نكون امام حالتين “الانتشار” والذي تم بالفعل نتيجة غياب الوعي، و”المواجهة” والتي تم تأجيلها لتجنب خسائر أكبر.

السؤال هنا، لماذا خالف البعض القانون وهددوا حياة المواطنين بإطلاق العيارات النارية من الأسلحة وبالأخص الأتوماتيكية، وقاموا رمزية الدولة بمواجهة رجال الامن الذين سعوا لحمايتهم؟ هنا نستحضر مدى وجاهة مُخرجات المدارس، والجامعات، والحكومات، والحواضن الحزبية، والمجتمع المدني، والقبيلة، والاسرة؟ فالأصل بالالتزام الديمومة والاستمرار، سواءً كان تحت منظور الرقابة ام لا، وعلى مستوى فردي او جماعي. لا اريد ان أكون سوداوياً وأصدر حُكماً بأنه كان هناك فَشلاً ذريعاً، وأن كل ما سبق قد ساهم به، ولكن هنالك تقصيراً وفشلاً محدوداً في القدرة على قولبة الانسان الأردني بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية في نماذج ضمن اطر وطنية تنمو بمدى الالتزام بالقانون، والاستعداد للمساهمة في اصلاح وتطوير المجتمع.

يبدو ان إعادة النظر في المناهج التي تشجع على الاندماج الوطني، أصبح ضرورة الى جانب تفعيل مساقات جامعية وعلى رأسها مساق التربية الوطنية، كما ان الأحزاب السياسية مطلوب ان يتم تمكينها وتحريرها من بعض “الكوابح” غير الدستورية لتوظف مقراتها وانشطتها للتعبئة السياسية الوطنية، ونشر الثقافة السياسية المُلتزمة. ولا تعتقد الحكومات للحظة انها استثناء، بل هي أساس ٌجوهري في التمثل والالتزام بالشفافية وبمعيار الكفاءة والعدالة في لامركزية المشروعات والتعيينات. ولا تقل الحواضن الاجتماعية اهميةً، فعليها ان تدرك ان استمرار كينونتها مرهون باستمرار الدولة؛ التي تُهيء الظروف والهياكل الداعمة والرافدة لها، وبالتالي فأن النظرة للمحيط الوطني بمكوناته الاجتماعية الأخرى ونُظمه السياسية؛ يجب ان تكون على قاعدة الشراكة بعيداً عن قاعدة الاستقواء او الإقصاء.

الرابط المختصر للمقال :