بأقلامهم

غياب المعارضة اللافت في مجلس النواب الأردني المنتخب

صحيفة الملاذ الاخبارية

مهند مبيضين…  بانتهاء الانتخابات الأردنية البرلمانية التي أجريت يوم 10 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، يكون الأردن قد أنجز إنتاج مجلس النواب التاسع عشر الذي ستكون له أهمية ذات طابع خاص في تاريخ الحياة البرلمانية، كونه الذي سوف ينتقل بالدولة إلى المئوية الثانية من عمرها، وهو مجلسٌ كان يفترض به أن يعكس التحوّل السياسي والإصلاح الذي طالب به الناس مِراراً، أو على الأقل ليكون قادراً على مواجهات استحقاقات قادمة ليست هينة. وللأسف، يبدو أن ذلك كله لم يحدث، إذ يراه كثيرون مجلساً منزوع الدسم، في ظل إصرار الهيئة المستقلة للانتخابات والحكومة على أن انتخاباته جرت في ظل “الظروف الصعبة”، وهي مفردة ستلازم التصريحات الحكومية لإعلان الانتصارات!

طغت على المجلس الجديد المنتخب وجوه جديدة، فيما أخفق نواب كثيرون سابقون في العودة إلى مقاعدهم في برلمان جديد، وصل عدد الذين حالفهم الفوز فيه لأول مرة 101 نائب، و29 نائبا سابقا، من أصل 120 نائبا هو عدد أعضاء مجلس النواب، أي أن نسبة النواب الجدد 78%، و22% هم من السابقين. ويجب ألا تغيب عن هذه النسب حقائق المنع الناعم لنوابٍ قدامى كثيرين لم يتلقوا إشارة خضراء من الدولة العميقة، لتتيح لهم النزول، كما أن بعضهم قرأ الرسالة جيداً، كما هو حال رئيس مجلس النواب السابق، عاطف الطراونة، الذي أعلن مبكرا عدم ترشحه، وآخرين تمّ استقطابهم إلى مجلس الأعيان، فيما أصر قسم آخر على المنافسة، ونجح بحدود دنيا من الأصوات، ونزل قسم ورسب، ويشكك اليوم في النتيجة، وقسم آخر مُنع بالقانون، وفجأة وجد أنه لا يستطيع الترشح قانونياً، بوجود قضية سابقة عليه، وهو حال انتهى إليه غازي الهوامله وطارق خوري، وهما نائبان مناكفان للحكومة في أدائهما البرلماني… وهذا كله معناه أن الجو العام تمّت تهيئته لجماعةٍ معينةٍ، كي تنجح، أو تترشح لمجلس النواب.

ما الرسالة التي أرسلتها الدولة والمجتمع معاً من تشكيلة مجلس النواب الجديد؟ في المجالس السياسية التي سبقت الانتخابات، كان هناك حديث عن الإصرار الملكي على إجراء الانتخابات، كون الاستحقاقات السياسية التي كان من الممكن أن تترتب على تأجيل الانتخابات مكلفة كثيراً، وهي إما عودة المجلس السابق المنحل خلال المدة الدستورية، أو إعلان الأحكام العرفية، أو تأجيل الانتخابات فقط لمطلع العام الجديد، وبحسب ما يتيح الدستور من مُدد زمنية. ولكن الانتخابات وإن جرت في “ظروف صعبة”، فإن هذه الظروف، لم تؤثر وبائياً (كورونا) على تشكيلة المجلس، بل من المهم التذكير بأن مجلس النواب بات، في كل مرة، يشهد تراجعاً أكبر، من حيث المنتج النهائي غير المسيّس. وسبقت ذلك كله تغيرات بنيوية على طبيعة النظام الداخلي للمجلس، بحيث أوجبت على كل نائب أن يكون منخرطاً في كتلة، كما أن مشاريع القوانين باتت تناقش في اللجان، وتعرض على التصويت أمام المجلس، وهذا معناه إفقاد النواب ككل حق المناقشة العلنية أمام ناخبيهم، أي أن المجلس تمّ تفكيك بنيته وإفقاده دوره الحقيقي، ليتحول كمجلس إدارة شركة، ولهذا نجد نسبة الاقتراع المتدنية انعكاسا لصورة التراجع الدائم، وغياب الثقة بالانتخابات ومخرجاتها، وهي عملية انتخابية لم تخلُ من خروقات وتوظيف للمال الفاسد.

وقد جاءت تقارير رقابية محلية على وجود مخالفاتٍ وخروقاتٍ عديدة، وانتشار ظاهر شراء الأصوات قبيل يوم التصويت، وخلال عملية الاقتراع الذي كانت النسبة فيه متدنية، وبالكاد وصلت، بعد تمديد مدّة الاقتراع ساعتين، إلى نسبة 29%، وهي من أدنى النسب في تاريخ الانتخابات الأردنية. وما تكرّر ولم يكن لافتاً ضعف نسبة الاقتراع في المدن الكبرى، عمّان وإربد والزرقاء، وارتفاعها في الأطراف ذات البنية العشائرية، وحتى هذه الأطراف أيضاً شهدت تراجعاً عن نسبة المشاركة في انتخابات عام 2016.

وإذا كانت الانتخابات قد حسمت مسبقا، من حيث نوعية من يُسمح له الترشّح، أو من يُمنع أو من يَتلقى ضوءاً أخضر، إلا أن نتائج الانتخاب أكدت أنّ الهاجس كان إفراغ مجلس النواب من أصوات معارضة، أو عنيدة، فالنواب ذوو العمل الرقابي الجاد أخفقوا في النجاح، أو لم يسمح لهم بالترشح، كما قلّ عدد نواب كتلة الإصلاح، الممثلة للإخوان المسملين، إلى عشرة مقاعد، عن عددهم في المجلس السابق الذي كان 17 نائباً، وأكّدت نتائج الدائرة الثالثة في عمّان تغييب صوت المعارضة، بعدم نجاح أي مرشح من قائمة “معاً” التي دأبت على رفع شعار الدولة المدنية وبرنامجه، وهذا يعني أن الحكومات هي الرابح في ظل وجود مجلس نواب قليل الخبرة، وغابت فيه الوجوه المشاكسة للحكومات رقابياً ونقداً.

وإذ تُقرر الحكومة الأردنية أنها نفذت الاستحقاق الديمقراطي في وقته، إلّا أّنّ كلفته الصحية ستكون صعبة لاحقاً في نظر مراقبين كثيرين، كون حالة وباء كورنا في تصاعد كبير ولافت، وهو ما يجعل اللوم شديدا والخطورة كبيرة في مجتمعٍ يشهد عدم الالتزام بتعليمات السلامة العامة، ويحب الخروج على القانون وأوامر الدفاع. ولعل أعمال الشغب التي اندلعت في مناطق عشائرية داخل عمّان بعد إعلان النتائج دليل على أن المجتمع الذي ينتخب، ثم يردّ على نتائج الصندوق الانتخابي إن لم تكن في صالحه، بإطلاق العيارات النارية وإغلاق الطرق، لم يعدّ للديمقراطية، أو مورست عليه عملية تجهيل بأدوات السلطة السياسية، وهو قانون الانتخاب الرديء، وعدم الشفافية في فرز نتائج الانتخابات التي حدثت فيها فجوات تمّ رصدها.

نعم، لقد أدّى التراخي في تطبيق سياسات السلامة العامة، والانفلات من القانون، وعدم الحساب، إلى ارتفاع حالات الإصابة بوباء كورونا قبيل الانتخابات، ولكن الأهم أن النتائج التي آلت إليها العملية الانتخابية لا تبشّر بوجود حالة سياسية رقابية نيابية فاعلة، خصوصا في ظل ضعف الخبرات الجديدة في المجلس، وحداثة تجربتها في الحياة العامة والعمل السياسي، لا بل إن الحكومة والهيئة المستقلة للانتخابات كانت تغرّد دوماً إن قانون الانتخاب الحالي هو صديق للأحزاب، لكن للأسف عن أي أحزابٍ نتحدّث في ظل الرغبة الشديدة من المطبخ السياسي للدولة، بالهيمنة على مخرجات العملية الانتخابية، وتصعيد وجوهٍ برلمانيةٍ من أهل الطاعة المطلقة فقط.

لقد وضعت الانتخابات البرلمانية المجتمع الأردني أمام معضلةٍ سياسية، هي الفشل في تقديم وجوهٍ نقديةٍ ذات موقفٍ اعتراضيٍّ سياسيٍّ واضح على السياسات العامة التي غالباً ما تضر بالمواطن، وهذا أمرٌ يتضاعف مع الإقرار بصعوبة الخيارات السياسية المقبلة على الأردن في ظل إدارة أميركية جديدة، غالباً ما تشجع حركة الإخوان المسلمين السياسية وترحب بها، وبرلمان غير وازن سيّاسياً ولم يُختبر سابقاً، ويُرافق هذا كله تعاظم أزمات الاقتصاد وارتفاع الديْن العام ونسب البطالة واستحقاقات وباء كورونا العظيمة الأثر على ماليّة الدولة.

ولكن، يجب التأكيد على أن نتائج الانتخابات جاءت غير بعيدة عن التوقعات، فتشكيلة مجلس الأعيان المعلنة أخيرا، والتي عبرت عن قالب محافظ بشكل كبير، وهو أمرٌ معتاد في طبيعة اختيارات مجلس الأعيان، وهو مجلس الملك كما هو متعارف، كانت تشي بتشكيلة مجلس النواب المقبلة، والتي لم تكن بعيدةً عن تشكيلة الأعيان، فحظي الأردنيون بما يجعلهم أمام حنينٍ دائم للحظة الانتقال الديمقراطي عام 1989 وانتخابات ذلك العام، ويتجاوز الأمر ذاك الحنين، إلى أن الإحساس بالعجز بعد النتائج الحالية سيعمّق العجز السياسي، وسيجعل الحكومات مطلقة اليد أمام مجلس نواب ضعيف. وذلك كله سيعزّز فجوة الثقة بين المواطن والحكومات، وهي فجوة تزداد اتساعاً مع كل حكومة جديدة، في ظلّ تراجع النقد السياسي وإفراغ النقابات من مضمونها السياسي، الذي كانت آخر معاركة أزمة نقابة المعلمين واغلاقها.

لقد أثبتت نسبة الاقتراع المتدنية في الانتخابات البرلمانية غياب الدور الحاسم للشباب والأحزاب. ولأول مرة تقل نسبة اقتراع الإناث عن الذكور، ويعكس ذلك كله تعاظم ضعف الثقة بمؤسسة البرلمان التي أفاد المؤشر العربي، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قبل نحو شهر، إلى أنها في أدنى سلم الثقة بالمؤسسات الأردنية.

وفي عموم المشهد السياسي الأردني، ثمّة إجماع على أن العملية السياسية تشهد تراجعاً عاماً، والإصلاح السياسي غاب عن أجندة الحكومة السابقة للحكومة التي تشكلت الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) بشر الخصاونة، وهو كذلك في الحكومة الراهنة كما يبدو، ولعل أبرز معوقات اكتمال الإصلاح السياسي قانون الانتخاب الراهن الذي أتى بمجلس النواب الجديد، فهو قانون مجحف، ولا يسمح للأغلبية السياسية بالتشكل، ويجعل الدولة هي ضابط الإيقاع في تقدّم النخب وتصعيدها، وهنا يمكن القول: كلمّا ضعف مجلس النواب تعاظمت التحدّيات، وزاد الفساد السياسي لضعف الرقابة.

يُضاف إلى ذلك كله موقع الأردن في إقليم عربي ساخن، ولا بدّ أن الوضع الإقليمي مرشّح لمزيد من التعقيد مع الإدارة الأميركية الجديدة، وسياق علاقتها مع دول الخليج تحديداً، وهو ما يدعو إلى مزيد من الحذر والريبة.

الرابط المختصر للمقال :