طافشين

لماذا اختار شباب وشابات من الأردن الهجرة بعيداً؟

صحيفة الملاذ الاخبارية

“ليس ببلد أحق عليك من بلدك، خير البلاد ما حملك”، قالها علي بن أبي طالب ويبدو أن تركيا حملت وتحملت مجدي السعدي أكثر من بلده الأردن، البلد التي اختار أن يتركها “حفاظاً على ما تبقى من عقلي وكرامتي”، كما يقول.

ويبدو أن “العذر المخفف” لاحتمال قسوة الحياة في بلداننا لم يعد عذراً يدخل العقل، كما جاء في حديثي مع الشاب مجدي، ومع شابات وشباب أردنيين/ات اتجهوا لقرع أبواب الهجرة، لا يهم إلى أين، المهم بعيداً عن وطنهم/ن الأردن.

يخشى مجدي، في العقد الثالث من العمر، على عقله وكرامته كما جاء في حديثه لرصيف22، فهو ومنذ شهور “أدار ظهره” لوطنه الأردن، وفضل خيار المجازفة في الصعود إلى أول طائرة متجهة إلى تركيا، رغم الظروف الصعبة التي فرضتها تبعات فيروس كورونا. فمجدي، وبحسب ما أشار إليه، كان من أوائل الركاب المتجهين إلى تركيا فور إعادة فتح مطار الملكة علياء الأردني جزئياً.

يقول مجدي وعودة إلى عقله وكرامته اللذين يخشى عليهما: “الأردن تستنزف أبناءها عقلياً ومادياً وجسدياً، الضرائب المرتفعة ولا يوجد فرص عمل، وإن وجدت لا تكفي خبزنا وكفاف يومنا”.

فغياب أبسط حقوق العيش الأساسية، كما يضيف مجدي، هي من الأسباب التي دفعته “ليهجّ” من البلد، كما يصف، ويتابع: “لا تعليم ولا مستشفيات تحترم المرضى وتحترم المواطنين، وإن وجدت يجب أن تدفع ثمناً غالياً لتكفل حقوقك”، ويستدرك متسائلاً: “لماذا ندفع الضرائب إذن؟”.

من الواضح، خلال الحديث معه، أن موضوع الضرائب أكثر الأمور التي تستفز الشاب مجدي السعدي، فـ”بفضلها”، حسب تعبيره، “تم إعدام الطبقة الوسطى على مشانق دائرة ضريبة الدخل والمبيعات والجمارك، ضرائبنا في الأردن لا تنتهي، وكل هذا بدون أي خدمات تذكر”، قال.

ويختم: “الحكومات الأردنية المتعاقبة لم تترك لنا، كشباب وشابات، شيئاً واحداً نبقى من أجله في وطننا… فقدنا الأمل وأصبح الخلاص فردياً”.

“عندما أزور بلدي ألجأ إلى السفارة الكندية فيها لمساعدتي، تخيلي كم هو محزن الشعور، وتخيلي كم هو محزن أكثر أن يكون وطني مكاناً لا أريد الرجوع إليه”
غياب أبسط الحقوق المعيشية
“سوف تضحكين لو قلت لك إن من أسباب تركي للأردن هي تخلف وسائل النقل والمواصلات”، قالتها لرصيف22، زينب عبد الرحمن، 37 عاماً، التي اختارت مصر بديلاً عن وطنها الأردن، لتستكمل شق طريقها وتربية آمالها. تقول: “نعم المواصلات من أسباب تركي لبلدي، فأنا مثلاً شخص لا أجيد ولا أريد القيادة، ولأن مواصلات البلد متخلفة فلدي تاريخ طويل مع بنيتها، أنا حرفياً تبهدلت من وراها!”.

هذا مثال بسيط لغياب أبسط الحقوق المعيشية في الأردن، بحسب زينب: “الوضع الاقتصادي ليس فقط لم يعد يحتمل، بل فقدنا الأمل بأن يتحسن وأن نعيش بكرامة، نعيش بكرامة يعني ألا ننام ونحن مهمومون من الفشل في تأمين لقمة عيش يوم غد”، تقول.

وتضيف: “لم أندم يوماً، منذ أن قررت في العام 2014 أن أحمل حقائبي وأتجه إلى العيش في مصر، وربما تكون عبارة مصر أم الدنيا شوفينية أو غبية أحياناً، لكن صدقاً هي أم الدنيا، لأن شعبها لديه ابتكار في إيجاد حلول لكل شيء، نعم فيها عشوائيات وفقر محزن، لكن لو معك سعر سندويشة ومواصلات عامة فقط تستطيعين أن تمري على كل مناطقها”، وتقول: “إيجار شقتي في منطقة المعادي 350 دولاراً شهرياً، أقسم لك لو أن شقتي في عمّان لكان إيجارها أكثر من 1000 دولار شهرياً”.

وتختم: “عندما بدأت بالتفكير بترك الأردن والاتجاه إلى مصر، شاهدت مرة فيديو يروي قصة شاب مهووس بالأسماك، وفي مرة مرضت واحدة من أسماكه التي تعيش في حوض في منزله، الأمر الذي جعله يستدعي طبيباً بيطرياً للكشف على سمكته، والذي بدوره أخبره أن علاج السمكة ليس بدواء بل بتغيير الحوض الذي تعيش فيه، وأنا اخترت أن أغير الحوض الذي أعيش فيه”.

“المهم مين عندك واسطة”
أما بكر المطارنة، 28 عاماً، فيقول في حديث لرصيف22: “كنت أقول أريد أن أدرس في كندا وأعود حتى أفيد بلدي الأردن، وللأسف لم أكن أتوقع أن يتغير حلمي بذلك”.

فخطته التي كانت تذكرة ذهاب إلى كندا من ثم تذكرة عودة إلى الأردن بعد الانتهاء من الدراسة هناك، أصبحت تذكرة ذهاب بلا عودة، كما يبين في حديثه ويبرر ذلك: “ما جعلني لا أعود إلى الأردن هو ما بدأت ألمسه من غياب للمساواة فيها وانعدام لتكافؤ الفرص، في الأردن ليس مهماً ماذا درست وماذا أنجزت، المهم مين عندك واسطة”.

ويضيف: “أنا كشاب أردني يعيش في كندا منذ أكثر من عشرة أعوام، لدي حريات من المستحيل أن أجدها في بلدي، أهمها حرية التعبير عن الرأي، أنا أردني لدي حرية في أن أنتقد الرئيس الكندي دون أن أخشى، لأنني متأكد أن القانون يحميني، في الأردن الهمجية تتغول على القانون”.

وأعطى بكر مثالاً “مضحكاً مبكياً” في استعراضه للأسباب التي تجعله يتمسك بقرار اللاعودة إلى الأردن: “عندما كنت طالباً، قررنا أنا ومجموعة من الطلبة الأردنيين إنشاء اتحاد للطلبة الأردنيين في كندا، على غرار اتحادات طلابية عربية هناك، قمت مثل ما قام زملائي العرب في تلك الاتحادات الذين حصلوا على دعم من سفاراتهم، بإرسال إيميل للسفارة الأردنية في أوتاوا لإبلاغهم عن مشروعنا والحصول على دعم رمزي يمكننا من عمل فعاليات لتعريف الكنديين على الأردن، هل تعرفين ماذا كان رد الإيميل من السفارة؟”، سأل وأجاب بكر: “أنتوا مين وشو بتعلموا بكندا؟ بدنا أسماءكم بالحرف الواحد!”، ويختم حديثه: “عندما أزور بلدي ألجأ إلى السفارة الكندية فيها لمساعدتي، تخيلي كم هو محزن الشعور، وتخيلي كم هو محزن أكثر أن يكون وطني مكاناً لا أريد الرجوع إليه”.

“لا أريد مشاكل”
منذ يومين، قرأت تغريدة لصديق يبلغ من العمر 28 عاماً، على موقع تويتر، كتب فيها موجهاً الخطاب إلى الحكومة: “حقكم علينا، مثقلين عليكم والله بس شو بدنا نسوي عاد، والله لو صاححلنا نتركلكم البلد باللي فيها ما رح نستنى دقيقة، إن شاء الله بنتوفق بيوم وبنلاقي طريقة نهرب منها”، راسلته فوراً لأخذ تعليق منه أضمنه في هذا التقرير، رد عليّ بقبول ذلك بشرط عدم ذكر اسمه، قائلاً: “لا أريد مشاكل”.

وعن الأسباب التي تجعله أن يفكر بالهجرة، قال: “بكل بساطة، كل الشباب في الأردن يطمحون لأن يهاجروا لأننا فقدنا الأمل”، وأضاف: “أنا كشاب بدأت التخطيط لحياتي في فترة الربيع العربي، ولم تكن فكرة الهجرة واردة لدي بتاتاً”، وبرر ذلك: “لأن الأمل كان ما يزال موجوداً، لكن بدأ هذا الأمل ينسحب شيئاً فشيئاً”.

وأضاف: “ممكن ما أقوله يعتبر شاعرياً، لكن أول مرة بدأت أشعر بفقدان الأمل بعد هبة تشرين في عام 2012، وتحديداً عندما غادر المتظاهرون ساحة أكبر مظاهرة شهدتها الأردن، كل ذلك التعب والحماس والأدرينالين اختفى فجأة”.

وتابع: “عاد الأمل ينمو عندي مع مظاهرات الرابع في عام 2018، لكنه أيضاً عاد واختفى”، وختم متسائلاً: “ماذا نفعل في الأردن كشباب؟ هل فعلاً ما يزال هناك أمل بتغيير قريب؟ هذا سؤال أطرحه على نفسي منذ فترة، هل فعلاً التعب والاستثمار بالمشاعر، وأحياناً المجهود والوقت الذي نستنزفه، تستحقه هذه البلد؟”.

المصدر: غادة كامل الشيخ- رصيف

الرابط المختصر للمقال :