كيف الجو؟

“مقصد الفقراء والأمراء الذين يجمعهم صحن الفول”… علاقة أردنيين/ات مع مطعم هاشم

صحيفة الملاذ الاخبارية

يقال إن الروائح من أكثر المخلصين لأصحابها، ليس فقط لأنها تخصهم هم فقط، بل لأنها لا تفارق الأماكن التي مروا فيها، حتى لو غادروها وصعدت أرواحهم إلى السماء، فلا رائحة “التتبيلة” الفواحة هنا، ولا رائحة زيت الزيتون الذي يعتبر واجهة صحن الفول هناك، ولا حتى تلك الرائحة الخارجة من “ضباب” أرغفة الخبز، ستغيب عن مطعم هاشم، وسط البلد في العاصمة عمّان، رغم غياب روح صاحبه عن الحياة، المرحوم زياد الترك.

كان صاحب مطعم هاشم، المطعم الذي يعتبر قبلة وسط البلد في قاع مدينة عمّان، زياد الترك، قد انتقل إلى رحمة الله قبل يومين، مخلفاً معه دعوات الرحمة إلى روحه ووعود بالالتزام بالإخلاص لمكانه الذي زرعه في قلب العاصمة وفي قلوب العمّانيين/ات، ذلك المكان الذي لا يتميز فقط بهويته الشعبية، بل بأنه أكثر من نجح في كسر كل أشكال التمييز بين طبقات المجتمع الأردني، ففي مطعم هاشم يجتمع الأمراء مع الفقراء، لتناول وجبة شعبية تحمل هوى بلاد الشام، وتشبه الأردن البسيط منذ نشأته.

“ثمة علاقة أسسها المكان مع الناس وليس العكس”.
لم يستغرب الأردنيون/ات أو يعتبروه بالشيء العظيم جداً، أن يقدم العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، تعازيه لعائلة الراحل الترك، ذلك لأنه ليس فقط العاهل الأردني وأسرته من كانوا يقصدون المطعم، بل سبقهم في ذلك الملك الراحل الحسين بن طلال. فالعائلة الهاشمية، سواء ملوكها أو أمراؤها، أصدقاء للمطعم، حيث طالما استقبلتهم طاولاته بزياراتهم العفوية التي لم تكن مرتبة مسبقاً، وطالما رافقت تلك الزيارات حشود قاصدي هاشم من مختلف الطبقات الاجتماعية، وهم يلتقطون صوراً مع ملكهم، ملكتهم وأمرائهم، ولعل مدخل المطعم وصوره المعلقة شاهداً على تلك الأوقات.

وخلال إعداد هذا التقرير، كانت النية المسبقة هي رثاء الراحل الترك، صاحب أكثر مطعم صديق لقلوب العمّانيين، لكن حتى عبارات الرثاء التي خرجت مع من تحدثت معهم، ركزت على فكرة أن رائحة المكان لن تسمح بغياب ذكرى صاحبها، وطلبت ممن يتحدث في هذا التقرير استعراض ذكرياته مع مطعم هاشم، وحرصت أن يكونوا من أجيال مختلفة، باعتبار ذكرياته عابرة للأجيال.

“هناك حيث الجميع متساوون أمام أطباق الفول، وعلى المقاعد الخشبية التقليدية: طلبة من الجنسين، شخصيات سياسية، مثقفون، رجال عصابات، شرطة، نتوحد في التهام فولنا ونحن نبتسم، أو نمسخ عرقنا بمتعة”
“حين كنا نسمع عن مطعم هاشم، كانت تركض الحكايات عن المكان وأطباق الفول التي يقدمها على أنها أفضل ما تذوقناه”، يقول الكاتب والروائي غازي الذيبة، في حديثه لرصيف22، ويعود بذاكرته مع المكان ويقول: “كنت صغيراً حين أمسك والدي بيدي وذهبت معه لتناول إفطارنا في المطعم الذي يحتاج من يزوره لبضع دقائق حتى يجد طاولة فارغة، أو يتشارك مع طاولة يتناول عليها أشخاص آخرون فولهم وحمصهم”.

وهنا يستلذ الروائي الذيبة وهو يصف المكان، ويقول: “المكان يعج بالناس، أصبت بدهشة الطفل الأولى في زيارتي الأولى لمطعم هاشم. بعدها أثث المطعم حكاياته معي، فكل صديق يأتي من خارج الأردن، كان يطالبني بوجبة فول في المكان. هناك حيث الجميع متساوون أمام أطباق الفول، وعلى المقاعد الخشبية التقليدية: طلبة من الجنسين، شخصيات سياسية، مثقفون، رجال عصابات، شرطة، نتوحد في التهام فولنا ونحن نبتسم، أو نمسخ عرقنا بمتعة”.

وختم: “المكان أليف إلى حد أنه بلا باب، يبقى مفتوحاً 24 ساعة، والصحون تدور على الطاولات. ذات مساء كتبت عنه مقالاً نشر في أكثر من وسيلة إعلامية، ووضعه أصحاب المطعم في إطار، على عادتهم في ذلك مع ما يكتب عن مطعهم، حينها شعرت أنني نلت جائزة نوبل في الفول!”.

الصحافي موفق كمال، يستهل حديثه عن مطعم هاشم بأسلوب دعائي للمكان، ويقول: “ما زال مطعم هاشم يحافظ على نظام التصليحة”، وهنا يعرّف ماذا يعني نظام التصليحة أي: “إضافة كمية إضافية من الحمص أو الفول على الأطباق التي لم تكف أمعاء متناوليها شبعاً منها”، لافتاً إلى أن هذه “العادة” لمطعم هاشم سائدة منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم، في الوقت الذي ألغت مطاعم الحمص والفول في عمّان نظام التصليحة نظراً لارتفاع الأسعار.

وأضاف: “استمرار مطعم هاشم على نظام التصليحة، واحدة من كثير من الأسباب التي تجعله باستمرار مقصداً لدى كافة الطبقات، ناهيك عن أن هاشم هو مقصد الفقراء والأمراء الذين يجمعهم صحن البصل وحفنة المخللات، مع تلك التتبيلة التي تجذب الزبائن برائحتها الفواحة، فيختلط عبق الثوم بأريج البصل على صحن فول، مع إبريق شاي مدلل بالنعنع”.

وعن تجربته الخاصة مع المطعم، يقول ويختم موفق كمال: “في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أولى بداية رحلتي في عالم الصحافة، كنت أقصد المطعم بشكل يومي لكتابة قصة صحافية، ولأملأ أمعائي الخاوية في ظل جيوب تمزقت لقلة الأموال، فهاشم يكفل لك ولي وجبة ببضعة قروش تشبع جائعاً يقصد المدينة ذات صباح”.

خالد شلبية، شاب في العقد الثالث، سألته عن تجربته مع مطعم هاشم، وسرد: “كانت زيارتي الأولى لهاشم مع والدي، أتذكر ذلك اليوم جيداً. كان المطعم بلا أبواب وعدد هائل من كاسات الشاي، أذكر أنني تخيلتها تكفي لألف نسمة. أخبرني والدي عن ذكرياته أيام الشباب في المكان، وأنهم كانوا يطلقون على صاحب المطعم الراحل زياد الترك، لقب أبو الشباب، وكانت تصليحة الصحن من أهم الطقوس التي حافظ عليها، والتي كانت وما تزال تدل على كرم شخص الترك”.

ويستكمل ذكرياته مع ذلك اليوم ويضيف: “قبل أن نغادر، تجولنا أنا ووالدي بين ألبوم صور المشاهير ورجال الدولة من أردنيين وأجانب قصدوا مطعم هاشم، وكانت المفاجأة مشاهدتي لصورة في الثمانينيات تجمع والدي مع المرحوم مصطفى العدوان، القامة الوطنية البارزة لكرة القدم الأردني، وعدد من لاعبي نادي كرة القدم الأردني الفيصلي، حيث كان مدرباً للفريق آنذاك”.

ويختم خالد: “بعد سنوات، كنت جالساً مع مجموعة من الأصدقاء، قال أحدهم: في مطعم هاشم تتساوى طبقات المجتمع ومن الممكن أن تتناول إفطارك بجانب وزير الشباب مثلاً، أخبرتهم عن صورة والدي المعلقة ودعوتهم لتناول العشاء هناك وعلى حسابي، لأنني شعرت وقتها أنني من أبناء الذوات”، يقول ضاحكاً.

“أول ما عرفت هاشم في طفولتي خارج الحي الذي أقطنه، كان بمثابة النزهة الوحيدة الممكنة. كان الفضاء العام الوحيد الذي يمكن انتظار نهاية الأسبوع أو الشهر، بحسب الدخل، كي نزوره ونمضي أوقاتاً عائلية معاً”
“طلبية هاشم تستقبلني مهما ضاقت ذات الجيب”، تقول نسرين المقادمة، وهي من جيل خالد، وتضيف في حديثها عن المطعم: “كثيرة هي محال الفلافل والحمص في العاصمة عمّان، وتتنافس في لذتها، لكن مطعم هاشم طقس أكثر منه مطعم. فبالنسبة لي عندما يكون الصباح مغرياً، خصوصاً في فصل الشتاء، لا بد أن أمشي للشارع الرئيسي من منزلي، وأركب حافلة نقل عام متوجهة إلى وسط البلد، وأنزل منها إلى مطعم هاشم في السابعة صباحاً”.

وتضيف: “كثيرة هي الأقوال التي تعتبر هاشم كليشيه عن عمّان، لكنني كواحدة من عشاق المطعم، بفوله وفلافله وحمصه وكأس الشاي بالنعناع البلدي، أختلف معهم. ومع رحيل صاحب المطعم أتمنى لمن يعتبر هاشم كليشيه، أن يجرب إحساساً مختلفاً يمنحه المطعم، الذي لا ينسى وجوه رواده مهما غبت عنه، وهذا حصل معي شخصياً، لأنني أسافر لأشهر طويلة، وعندما أعود يستقبلني معلم الفلافل، وهو من الوافدين المصريين، بابتسامة، رافعاً يده إلى الأعلى، قبل أن يقول: الحمد لله على السلامة يا نسرين”.

بدأت علاقة الشاب حسن عودة، وهو من جيل خالد ونسرين، مع هاشم كما يقول: “أول ما عرفت هاشم في طفولتي خارج الحي الذي أقطنه، كان بمثابة النزهة الوحيدة الممكنة. كان الفضاء العام الوحيد الذي يمكن انتظار نهاية الأسبوع أو الشهر، بحسب الدخل، كي نزوره ونمضي أوقاتاً عائلية معاً، وما زلت أفضل الفلافل من مطاعم كثيرة غيره، لكن ما من شك أنني سأمر بجانبه بحب كلما كنت في وسط البلد، فعلى رصيفه علقت الكثير من الذكريات التي أحب أن أراها كلما كبرت”.

ليس الطعام الذي يربط حسن بمطعم هاشم، فكما يضيف: “لا من حيث الجودة أو النكهة أو حتى السعر، ثمة علاقة أسسها المكان مع الناس وليس العكس. ولم يصدف أن زارني صديق من الخارج ولم أصطحبه إلى هاشم، فهناك في الساحة التي تتوسط المطعم يمكن لك أن تعرفي الزائر على الأردن باختصار، الفقير والغني، المتعلم والأمي، البائع المتجول ومالك أحد المولات، المسؤول البارز والمعارض صاحب المبدأ، يمكنك أن تجدي الناشط والمخبر حتى. هاشم مكان يلتقي فيه الأضداد بحب، يأكلون وينظرون في وجوه الناس يتأملون حكاياتهم، يدخنون سجائرهم بعد وجبة دسمة، وينصرفون بهدوء”.

المصدر: غادة كامل الشيخ- رصيف

الرابط المختصر للمقال :