طافشين

“منيح إننا منقدر نجيب ثياب داخلية!”… أزمة ارتفاع أسعار الملابس الشتوية في سوريا

صحيفة الملاذ الاخبارية

رنيم غسان خلوف-  شو رأيك ببيع كليتي” افتتاحية المشهد الأول لحقيقة الشتاء في سوريا هذا العام. هي الفاتحة لحديث بين فتاتين قبالة واجهة محل وهما تشاهدان أسعار المعاطف الشتوية. بعد صفير الفتاة الأولى من هول الرقم الذي وصل 60 ألف ليرة سورية للمعطف الذي أعجبت به، أجابت صديقتها بجملة البداية في هذا التقرير، إذاً ماذا سيبيع المواطن السوري لأجل كسوة الشتاء؟

المشهد الثاني “تريند” على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي كتبت الحالة الخاصة بها على فيسبوك: “قاعد بأمان الله عم خيط جاكيتي الشتوي بعتتلي رسالة إيمتى جاي تخطبني؟!”.

غالباً ما تكون الكوميديا هي التعبير الحقيقي عن حالة القهر أو الضيق التي يعانيها المواطن، خصوصاً عندما لا يستطع أن يفعل شيئاً، فيكون الضحك أفضل من البكاء وتقطيع أوصال القلب، الذي لم يعد يحتمل أصلاً ليرة إضافية على الدخل.

أما المشهد الثالث فقد أعلنه البائعون بنشر الأسعار دون جدل وغالبيتها تعادل راتباً إذ تجاوز أسعار بعضها الـ100 ألف ليرة سورية.

“ما حدا بيحس فينا”، هذا هو الاتهام المتبادل بين التاجر والزبون الذي يريد شراء قطعة من الملابس الشتوية، يبلغ سعرها نصف راتبه رغم أنها صناعة وطنية، لسان حال الناس، ومنهم آية يوسف، 25 عاماً، من دمشق، تقول: “التاجر لا يبالي إذا حرمت ابنك. في الوقت الذي يخاطب به التاجر أي زبون أنه لا يحس بشعوره أيضاً، منوهاً بالديباجة التي حفظها الشعب السوري، وهي أن ارتفاع الأسعار هو بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج الذي يمر بمراحل ويحتاج لمصاريف”.

مبرراً ذلك، يقول رائد (اسم مستعار، 50 عاماً)، وصاحب معمل ألبسة، إن القماش يشتريه التجار بالعملة الصعبة، وبالتالي ارتفعت تكاليفه أضعافاً، وارتفعت تكاليف اليد العاملة التي لم تتجاوز رواتبها الشهرية حتى الآن الضعفين، كما ارتفعت تكاليف النقل والشحن. ويشير إلى أن المصنع سيربح على القطعة 30%، ومثلها يربح بائع الجملة، وأيضاً بائع المفرق، لذلك ستصل للمواطن زائدة عن سعر التكلفة 100 في المئة تقريباً. وتؤكد على ذلك أمل جيلو، 55 عاماً، وهي صاحبة محل في سوق القصاع شرق العاصمة، وتسأل: “كيف لازم بيع؟ أخجل وأنا أخبر الزبونة عن سعر فستان السهرة، فمن يستطيع اليوم أن يدفع 600 ألف ثمن فستان مثلاً؟”، لذلك قررت أمل أن تغلق محلها نهاية هذا العام، وتضيف: “الحق مو على حدا الحق على الحرب”.

“سبب ارتفاع الأسعار بهذا الشكل يعود لعدة عوامل. أصبح المواطن السوري يفهمها بدقة، منها ارتفاع تكاليف الإنتاج “كأسعار المواد الأولية” المحلي منها والمستورد بسبب ارتفاع سعر الصرف”
رصد ورد
إذا أراد الصحافي اليوم أن يختار عينة عشوائية للشباب/ات، كي يأخذ وجهة نظرهم حول موضوع معين، لا بد أن يطرق باب مواقع التواصل الاجتماعي، وفي هذا التقرير كانت الوجهة إحدى المجموعات النسائية المغلقة، والتي تناقش كل القضايا، وتجمع سيدات من كل المحافظات والمستويات التعليمية، حيث تم طرح سؤال عن ردود الأفعال الأولى عندما شاهدن أسعار ملابس الشتاء، وكم ستأخذ من مرتباتهم. بين السخرية المطلقة والكلام الموجع، أتت الردود كالآتي:

قالت مايا ديب، 40 عاماً: “لن أشتري لي ولأطفالي، 60 ألف الجاكيت أكتر من راتبي”. أما آية فأجابت: “حق الجاكيت اليوم يساوي ثلاثة أرباع الدخل”. وقالت الصحافية ساليت درغام، 24 عاماً: “الأسعار متل الخيال، بدك راتب ونص لتشتري قطعة شتوي ونص راتب لتشتري. والأبشع إنه الغالبية صناعة وطنية وغير مستوردة”.

أما لالي (اسم مستعار)، فأجابت: “منيح إذا منقدر نجيب ثياب داخلية!”.

يقول الدكتور في الاقتصاد مطيع أبو مرة لرصيف22: “سبب ارتفاع الأسعار بهذا الشكل يعود لعدة عوامل. أصبح المواطن السوري يفهمها بدقة، منها ارتفاع تكاليف الإنتاج “كأسعار المواد الأولية” المحلي منها والمستورد بسبب ارتفاع سعر الصرف. والسبب الثاني يتمثل بارتفاع أسعار المنتجات النفطية، إذ تعاني المعامل والمنشآت من انقطاع التيار الكهربائي لفترة طويلة، وبالتالي تلجأ إلى الطاقة البديلة عبر المولدات مما برفع تكاليف الإنتاج مباشرةً”.

ويقول رائد أن ربح أي معمل اليوم معتمد على الزبون الخارجي، أي على التصدير فقط، بسبب ما تعانيه أسواق الملابس من ركود لارتفاع الأسعار هذا الشتاء. وهنا يخالف الدكتور أبو مرة رائد في حديثه عن الركود ويوضح الأمر من الناحية الاقتصادية، قائلاً: “موضوع ارتفاع السعر لا يمكن تفسيره إلا بارتفاع الطلب أو انخفاض العرض، أما انخفاض العرض فهو غير مبرر في ظل عودة عدد لا بأس به من المعامل إلى الإنتاج، والمنتجات متوفرة في الأسواق بكميات كبيرة إلى حد التخمة، وبالتالي يعود ارتفاع السعر إلى استمرار الطلب على هذه المنتجات، فلا تزال الأسواق تشهد حركة جيدة مع التنويه بانقسام المجتمع إلى شرائح وفق أنماط استهلاكها”.

باتت بعض الناس على حد تعبير أبو مرة يعتبر الملابس الشتوية كماليات، وبعضهم الآخر واجبات، إذ قسمت هذه الأسعار الناس والمجتمع إلى شرائح، والسوق اليوم يستهدف الشريحة ذات الدخل العالي، وربما هذا يبرر تفسير هند في المجموعة النسائية المغلقة: “رغم ارتفاع الأسعار فمن الذي يشتري من المحال التجارية إذاً؟”.

“لهيك ما صار برد الله عم يرحم الناس”، فبعض السوريين اليوم يفضلون ألّا يطرقَ الشتاء باب هذه السنة، لأن كل شيء ضاق
حل آخر
يبحث السوريون دائماً عن الحلول البديلة في أي أزمة كانت، وكلٌ سيواجه أزمة غلاء ملابس الشتاء على طريقته. علي محمد، 23 عاماً، طالب هندسة مدنية بجامعة البعث، قال: “ما رح استسلم!” وهو اقتحم خزانة والده كحل بديل لشراء جاكيت جديد، وبدأ يفتش عن واحدة تناسب مقاسه. أخذ واحداً من معاطف الوالد للخياط، وبدأ تصغيره لتناسب حجمه، وحجته جاهزة أمام الناس عن سبب قدم موديله وهي أنه ورثه عن والده.

تنتظر يارا فارس، 24 عاماً، طالبة هندسة في جامعة البعث، أن تفتح أم محمد بسطة ملابس البالة في قريتها مع قدوم الشتاء، فهي تأخذ من عندها بالتقسيط، ولا تخجل من أنها تشتري من البالة، مشيرةً إلى أن النوعية تستحق 15000 ألف ليرة سورية لمواجهة برد مدينة حمص هذا العام القاسي.

هكذا يفكر بعض السوريين بالحل لكن للاقتصاديين رأيهم في الحل أيضاً. يشير الدكتور مطيع أبو مرة إلى أن هناك عدة أوجه للحل، منها “دعم المنتج وتخفيض تكاليف الإنتاج، وهذا الحل صعب جداً في ظل ارتفاع التكلفة المرافقة، أو دعم المستهلك ومساعدته على تأمين احتياجاته من الألبسة ويمكن أن يكون ذلك من خلال خلق فرص عمل لشريحة واسعة من العاطلين عنه في مجالات إنتاجية مختلفة، وقد يكون الحل من خلال إلغاء حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، وإيصال السلعة بتكلفتها مع ربح بسيط إلى المستهلك”.

الختام سؤال
“لهيك ما صار برد الله عم يرحم الناس”، هذا آخر رد وارد للحالة التي وضعت على المجموعة النسائية المغلقة، فبعض السوريين اليوم يفضلون ألّا يطرقَ الشتاء باب هذه السنة، لأن كل شيء ضاق.

لكن هل يصعب على من صمموا وفصلوا منأغطية الإعانة الرمادية بيجامة سميكة، تقي من صقيع البلاد أن يواجهوا شتاءً تخبرهم الأرصاد الجوية أنه لن يكون طويلاً؟

ربما تدفع أزمة الغلاء السوريين والسوريات إلى أن يصبحوا جميعهم عشاقاً، بعد أن يغدو الحضن الدافئ خيراً من ألف جاكيت.

الرابط المختصر للمقال :