بأقلامهم

أثر موجات الحرّ على السلوك الإنساني

الدكتور عامر العورتاني

صحيفة الملاذ الاخبارية

بعد إجراء العديد من الدراسات من قبل الكثير من علماء النفس والاجتماع ؛ تأكدت العلاقة بين سلوك الإنسان والبيئة التي يتواجد فيها ، فنشأ اتجاه يُعرف بعلم النفس الأيكولوجي ( البيئي ) ، حيث أكد العلماء على تداخل وتكامل العلاقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به بكافة عناصرها ومكوّناتها وحتى تغيراتها الطارئة والمؤقتة ، فالسلوك هو نتاج للتفاعل بين الإنسان والبيئة ، وحيّز الحياة يمثل التفاعل المستمر بين القوى الداخلية للإنسان كالاحتياجات الشخصية ، وبين الظروف الخارجية المتعلقة بالأحوال البيئية ، وسلوك الإنسان يختلف على مدار اليوم باختلاف المواقف التي يتعرض لها ، كما أنّ التشابه بين المواقف والأحداث والظروف البيئية تحقق تشابهاً كبيراً في سلوك مجموعة مختلفة من الأفراد ، فالفرد يميل إلى الموافقة بين سلوكه والموقف الذي يمرّ به .

وحيث أنّ العلماء يتوقعون أن ترتفع درجة حرارة الأرض بمعدل درجتين على مدى العقدين المقبلين بحسب السيناريوهات التي أعدتها اللجنة الحكومية الدولية المعنية يالمُناخ ، فإنّ هذا التغيّر المُناخي سيتسبب في زيادة الظواهر المناخية ، ومن ضمنها موجات الحرّ كالتي تتعرض لها المنطقة منذ أواخر شهر آب ، وبشكل غير مسبوق منذ زمن ليس بقريب ، وكما تؤثر درجات الحرارة العالية خلال موجات الحرّ على جسم الإنسان ؛ مسببة ارتفاع درجة حرارته ، وفقدان كميات كبيرة من السوائل ، وارتفاع ضغط الدم ، وغيرها من الأعراض التي من الممكن أن تصل إلى حدّ الإصابة بضربة الشمس التي يمكن أن تهدد حياة الإنسان ، أو تنهيها بالموت ، فإن ذات الظرف ستؤثر بالتالي على الأنماط السلوكية الصادرة منه ، فالإنسان يصبح عُرضة للشعور بعدم الراحة والإنهاك والتعب الناتج عن فقدان كمية كبيرة من السوائل بفعل الحرارة العالية   ، ما سيسبب له القلق الذي سينتهي بأحاسيس سلبية اتجاه الآخرين غالباً ، فتقل معدلات التفاعل معهم ، الأمر الذي يمكن ملاحظته في ضعف قدرة الطلبة على التركيز ، وزيادة فرص ارتكاب بعض حوادث السير نتيجة تأثر قائد المركبة بظروف ارتفاع الحرارة ، ما يجعله أكثر انفعالاً وميلاً نحو السلوك العدوانيّ ، كما أنّ العمال الذين يعملون في المناطق المكشوفة ، أو في مهن التنجيم والصناعات المعدنية أو المخابز ، يُعتبرون أكثر تأثراً بالأعراض البدنية والسلوكية الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة ، والسلوك العدواني المترتب على مشاعر التعب والإنهاك قد ينتقل مع الفرد إلى حيث يتفاعل في محيط أسرته ، فتقلّ فرص التفاهم في مواقف الخلاف ، الأمر الذي سينتهي غالباً إلى العنف وربما الجريمة ، فالاعتقاد بالعلاقة بين السلوك العدواني وفقدان السيطرة على السلوك من جهة وبين ارتفاع درجات الحرارة من جهة اعتقاد قديم ، لا سيّما ونحن نضيف عوامل مستفزة أخرى إلى جانب موجة الحرّ الحالية كفيروس كورونا المستجد وكل ما يُحيط به من أنباء وإجراءات جعلت منه عاملاً ضاغطاً هو الآخر ، إلى جانب عوامل أخرى كالفقر وضيق سُبُل العيش ، إذ تعمل جميعها في وقت واحد على الضغط على الشعور العام ، فتتكوّن الرغبة بالتخلص من هذه الضغوط عن طريق ردّ الفعل العنيف والعدوانيّ .

الوسوم
الرابط المختصر للمقال :