بأقلامهم

من الإنكار إلى الإقرار … سلامة المجتمع على المِحَكّ

الدكتور عامر العورتاني

صحيفة الملاذ الاخبارية

الدكتور عامر العورتاني

أخصائي علم اجتماع الجريمة

[email protected]

تجدها تارة مرفوعة على جبينه ، وقد تجدها متموضعة أسفل الذقن ، أو حلت كإكسسوار في جيب الجاكيت ، أو حقيبة اليد ، وعندما يتراءى الشرطي من بعيد ، أو يقترب هو من دخول السوبرماركت فإنه يسارع لارتداء الكمامة في مكانها الصحيح وربما بالمقلوب  ، مع العلم بأنّ عشرة من الأيام على أقل تقدير قد مضت على استعمالها الأول ، وعندما تنظر إلى تباعد المصلين في المساجد والكنائس فإنك تستبشر خيراً بحجم الوعي والالتزام السائد ، لكنّ الصورة تهتز مشوشة عندما تلاحظ الكثيرين ممن يخرقون ذات القاعدة في الأسواق و المناسبات ، فمنذ أن رُفع الحظر وفُتحت المنشآت وعادت الحياة إلى مختلف القطاعات في الأردن كما في بقية الدول حتى تلك التي عانت من أعداد إصابات مرتفعة ، حتى ظهر شعور في اللاوعي لدى معظم أفراد المجتمع بأن الفيروس قد اختفى ولم نعد مُهددين بذلك البُعبُع الذي يجوب العالم دون أن يتمكن أحد من ردعه ، وكأنّ النعامة وقد دفنت رأسها في الرمل مُختبئة من الخطر أصبحت المثل الذي تحتذي به الأغلبية ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ فانتشرت حالة من الإنكار العام لوجود الخطر من حيث الأساس ، ووسط الحديث الذي نعشقه عن المؤامرة العالمية والأجندات الخفية ، سرت الشائعات التي تسوّغ التهاون بإجراءات السلامة ، وتُبيح التلاعب بمصلحة المجتمع عامة ، ووسط الكثير من اللامبالاة بدأت الأنباء تتواتر عن ارتفاع أعداد الإصابات ، ليُطرح السؤال المخيف حول إمكانية العودة لسياسة الإغلاق الكامل والحظر المنزلي كما في المرة الأولى ، لتأتي الإجابة عبر الحكومة بأن لا إغلاق ولا حظر ، حيث سيتم التعامل مع الوباء وفق سياسة العزل الجزئي للبنايات والمدن التي تظهر فيها الإصابات ، وهكذا أصبح المواطن في مواجهة الوباء وفق معطيات الواقع الذي لا يعني فيه الإغلاق والحظر سوى الموت فقراً وجوعاً إن لم يكن بالفيروس ، وها هي أبواب المدارس والجامعات على وشك أن تُفتح لطلبتها ، وها هو الخريف يُجهز نفسه للسفر إلينا حاملاً معه المزيد من مخاوف مواجهة موجة ثانية أكثر قسوة للكوفيد – 19 في فصل الشتاء ، فهل يكفي أن ندفن رؤوسنا في الرمال ؟! ، أو نستعرض عضلاتنا على منصات التواصل الاجتماعي سُخرية وإشاعات وجلداً للذات ؟! .

لقد أصبح من المعلوم أنّ الفيروس يعتزم الإقامة فيما بيننا حول العالم لفترة ليست بالقصيرة ، وبالتالي فإنّ سياسة الإغلاق تُرتب على دول العالم كُلفة اقتصادية واجتماعية لا يمكن لأي دولة تحملّها ، ما يعني  أنّ العودة التدريجية لكافة الأنشطة من جهة ، والاستمرار في الحرب مع الوباء من جهة أخرى ،  لا تقرّ سوى بأنّ هناك سلاحاً وحيداً يمكن من خلاله البقاء والاستمرار في الإنتاج ، إنه الوعي   وبشكل كامل بوجود المرض و بالآثار المترتبة على انتشاره ، الأمر الذي يقتضي التزاماً كاملاً بالإجراءات الوقائية في سبيل محاصرة الفيروس وتقليل فرص استضافته في أجسامنا ، وليس هذا فحسب بل أنّ الإحساس العميق بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية اتجاه المجتمع بأسره ، ستشكل المناعة الحقيقية أمام اعتداءات الفيروس .

إنّ الوعي بخطورة هذا المرض ، والمشاركة الفعّالة في جهود مواجهته بوصفها العامل الحاسم والأكثر تأثيراً في قهره لم تعد موقفاً اختيارياً ، كما أنّ مسألة الالتفاف على إجراءات التباعد والقوانين الرامية للحفاظ على السلامة العامة لم تكن يوماً أمراً بطولياً أو مدعاة للتندّر على منصات التواصل الاجتماعي ، فسلامة المجتمع بأسره على المِحكّ ، و استمرار الآلاف من فرص العمل وأبواب التشغيل هي الأخرى على المِحكّ ، كما أنّ مستقبل جيل بأكمله من الطلبة هو أيضاً على المِحكّ ، لذا فإنّ تكوين الوعي الاجتماعي والإدراك الكافي للوقاية من تبعات هذه الجائحة باعتماد البُعد الوقائي الذاتي ، وإعطائه مساحة هائلة من الاهتمام بين الأفراد أصبح هو الخيار الوحيد الذي يمكن من خلاله تحقيق التوازن بين البقاء خارج المنزل والعودة إليه بسلام .

الوسوم
الرابط المختصر للمقال :