بأقلامهم

كورونا الخاص بنا

صحيفة الملاذ الاخبارية
عشية يوم السبت، 7 مارس/ آذار الحالي، أُبلغنا في لبنان أنّ فيروس كورونا قد تعدّى مرحلة حصره إلى مرحلة انتشاره، أنّ ثمّة مريضين التقطا العدوى لا ندري كيف أو أين، وأن عدد المصابين إلى تزايد. اُخبرنا أنه أمرٌ غير مطمئن. وعليه، فإن إقفال المدارس والجامعات والحضانات سوف يستمرّ أسبوعا آخر، يضاف إليه إغلاق كل أمكنة التجمّع من مسارح ومعارض ونواد ليلية، على أن تتم دراسة الإجراءات بالنسبة لأماكن العبادة، المسيحية والمسلمة على السواء.
في اليوم التالي، أي يوم الأحد 8 مارس، قيل إن أحد الكهنة رفض مناولة القربان إلى المصليّن مباشرةً في الفم، بل في راحة اليد على أن يتناوله المصلّي بنفسه، وإن بعض المؤمنين امتعضوا واعترضوا لأن “جسد المسيح” المقدّس نتناوله كيفما اتفّق.. ثم قيل إن العدد المعلن عن عدد الإصابات كاذب، لأن ثمّة قنواتٍ أُبقيت مفتوحةً جوّا وأرضاً لاستقبال قياداتٍ حزبيةٍ وإيرانيةٍ مصابة بالفيروس، وقد أُفردت لها أجنحة عزل خاصة في مستشفياتٍ تابعة للحزب الإلهي، بانتظار شفائها وإرسالها إلى العراق… أجل، إنّ كورونا الخاص بنا لا يُشبه إخوته الضاربة في البلدان الأخرى، لأن فيروسنا نحن سياسيّ بالدرجة الأولى، قبل أن يكون صحّيا، وانتشاره الحاليّ هو من عدوى فساد السياسة وقلّة حصانة دولتنا حياله.
قيل إننا ننام على لعنةٍ لنصحو على أخرى، إنها نهاية العالم، وهناك من بشّرنا أيضا أننا لن نبصر العام 2021 على ما يبدو، ليس بسبب ارتفاع البطالة وشحّ المال وإفلاس الدولة ونزول 50% من الشعب اللبناني إلى ما تحت خط الفقر، بل وأيضا لأن هناك من يتوقّع ارتطام مذنّب بالأرض في تاريخ قريب هو 21 من شهر إبريل/ نيسان المقبل، وهو ما ينبغي أن يُنهي الحياةَ على كوكبنا الأزرق الصغير، ويبشّر بانتهاء مشكلاتنا كلها!
قيل ويقال، ونقول ويقولون، ثم نضحك في أوجه بعضنا بعضا، لأننا تعوّدنا أن نسخر من مصائبنا المتوالية الكثيرة التي لا تمنحنا أدنى مهلةٍ لالتقاط أنفاسنا، نحن الذين كبرنا في هذه الحقبة الكارثية التي تمضي على إيقاع الحروب الأهلية وارتدادات الحروب المجاورة، ولأننا منذ خلقنا ونحن نتزلّج على حافّة هاويةٍ تزداد اتساعا وعمقا، حتى صرنا غير آبهين بخطر الانزلاق إلى قعرها. فمن كُتب له أن تنتهي حياتُه ستنتهي حياتُه، ومن كُتب له أن يعيش سوف ينفذ ويستمرّ. نردّد هذا بقدريةٍ واستسلامٍ حتى تأتينا مصيبة أكبر ننتفض لها كطيور ذبيحة قبل أن ندجّنها أو تدجّننا هي الأخرى، فالشبكة العملاقة التي رُمينا فوقها حين ولدتنا أمّهاتنا ممزّقة، متّسعة الثقوب، ونحن إذ نرتق ما أمكن لنا أن نرتق، من تحتنا ومن حولنا، ترانا نجذب الخيوطَ إلينا لتفادي سقوطنا. لكنّها ثقوبُ جيراننا تتّسع بقربنا، فترانا نغّض الطرفَ، لأننا مدركون أننا لا نقع إلا لأنهم يقعون، ولا نُفلتُ إلا لأنهم لا يُفلتون. الأفق مقفل، أجل، والملح كثير، ونحن سجناء شجوننا والهموم. أما الخوف المقبل إلينا فغمامةٌ عملاقة سوداء تقف ولا تبارح، تُنذر ولا تروي، فيما نحن نتدافع ونتعارك ونتزاحم، متشبّثين بما تبقّى من شجرة الحياة وقد تخلّت أغصانُها عنّا، فسقطت أجسادُنا النحيلة لتتكسّر فوق صخور الجحيم.
كل يوم، ونحن داخل قوقعتنا الموبوءة، تبللّنا توسّلات صغارٍ بنظرات غائمة، وعجزة بعروقٍ مقدّدة، ومعوّقين يتبعون الخواءَ بأجسادٍ منقوصة، وتائهين يسألون عن أسماء آبائهم، وأطفال أضاعوا عناوين أمهاتهم. فقر وقهر وعرق وملح، ووباء يأتي كزائر مساء حلّ مبكرا في مدينةٍ ثكلى، مدينةٍ منهكة، مدينةٍ مطفأة.
الوسوم
الرابط المختصر للمقال :

مقالات ذات صلة