بأقلامهم

صعود المثقفين

صحيفة الملاذ الاخبارية
كثيرون من شيعوا المثقفين إلى مثواهم الأخير، بعد ما توهموه من فشل الموجة الأولى من الربيع العربي، وقد أرادوه فشلا للمثقفين أيضا. في عالم عربي تسوسه نظم فاشلة، تعارضها تنظيمات حزبية ضعيفة ومعزولة غالبا عن مجتمعاتها، تقدّمت في العقد الأخير جماهيره عامة، وشبابه خصوصا، لإخراج بلدانه من احتجازاتٍ عميقة وتزداد تجذّرا، يصير دور المثقف عضويا ومفصليا، ويلعب دورا مفصليا في تهديم شرعية الأمر القائم، وتقديم وعيٍ مطابقٍ يحفّز تمرّد المواطنين، وثورتهم بما يمدّهم به من برامج وخطط، ويتولاه غالبا من قيادة لهم.
برز هذا الدور خلال موجة الربيع الأولى، وكان وراءها في بعض الحالات. ثم برز في موجته الثانية التي اجتاحت الجزائر والسودان ولبنان والعراق، وسيبرز حيثما يتمرّد الشعب على أوضاعه، وتعجز الأحزاب عن قيادته. يؤكد هذا ما نعيشه، وهو لا يعني أن كل ما يصدر عن المثقفين، أو يفعلونه صحيح، وأنهم يقومون بالدور المطلوب منهم على خير وجه، بل يعني أنهم طرفٌ يتوقف على مواقفه ووعيه مصير تمرّد المجتمعات العربية الذي لن تحسمه العفوية، وسينتكس إذا غاب عنه عنصر الوعي الثوري، الذي يستطيع المثقفون وحدهم إمداده به، الأمر الذي يتطلب تحلّيهم بروح المسؤولية والالتزام، وبالانخراط في حراك مجتمعاتهم، ومبارحة فردياتهم، ليكونوا جديرين بدورهم في التغيير الذي سيقيم نظما بديلة: حرّة وديمقراطية، ولا يسمحوا بهزيمة حراك شعوبهم، ورهانه على العصف بالواقع القائم، وبلوغ هدفه المباشر: تغيير السلطة القائمة بقوة التفاعل مع مثقفين يمتلكون البدائل المطلوبة، ويعرفون سبل ومراحل الوصول إليها، عبر تحول أفكارهم إلى قوة مادية، يلتزم التمرّد بها، لأنها توحّده وتهبه القدرة على ترجمتها إلى البديل المنشود.
أدركت نظم الاستبداد دوما ما لدور المثقفين من خطر، لذلك لم تتوقف يوما عن ملاحقتهم وعزلهم عن الشعب والواقع، وإفسادهم وإرعابهم وتشويه سمعتهم واحتوائهم، ومنعهم من بلورة وعيهم بدلالة الحرية، فيصاب الشعب بعدواها، ويستعيد حقه في الشأن العام، وتوحّد صفوفه بعد تبعثر وفرقة، وتنظم طاقاته وقدراته.
وزاد من عداء النظم للثقافة والمثقفين اقتناع قادتها بحتمية تهافت شرعيتها، في حال عمّقت الثقافة الهوة بينهم وبين الشعب، وتعاظمت حاجتهم إلى استخدام العنف أداة وحيدة للدفاع عن أوضاعهم، وفي عزله عن مجتمعاتهم، وخروج بلدانهم خروجا متزايدا عن سيطرتهم، ما يدفعهم إلى ممارسة مزيد من العنف، إلى أن ينفجر المجتمع، وينهض للمطالبة بالحرية: هدف أي ثقافة تستحق اسمها، فيجمع النهوض ضد الاستبداد الشعب والمثقفين في حاضنة تمرّد، لطالما حلموا به ودعوا إليه، وحين تلقفه الشعب الذي أشبعه حكامه إذلالا وإفقارا وعنفا، قطع خيوطه معهم، ونزل إلى الشوارع هاتفا لحريته: سلاح انعتاق، ومدخله إلى البديل المنشود.
باحتجاز المجتمع استبداديا، تضفي النظم سماتٍ ثوريةً على دور المثقفين، وتحوّل كثيرين منهم إلى مثقفين عضويين، يرون أنفسهم وثقافتهم بدلالة مجتمعهم، فيقرّرون التفاعل معه، من أجل إنجاز ثورةٍ في وعيه يصنعونها هم، تمهد لثورةٍ في واقعه يصنعها هو، في حاضنة الأفكار والبرامج التي زوّدوه بها، لتطوير تمرّده إلى ثورة وحمايته من أعدائه.
أكّدت ثورات الربيع العربي أهمية المثقفين، وفاعلية الحراك المدني، حين تغيّب النظم الأحزاب، وينتج لقاء الطرفين دورا سياسيا جديدا لمجتمعاتهما التي انخرطت في انتقال تاريخي إلى زمن مختلف، سيكون لأول مرة في تاريخ العرب من صنَعها نخب مثقفة وقواعد مجتمعية عامة، وليس من صنع نخب اندمجت في السلطة، لتُقصي المجتمع والمثقفين عن الشؤون العامة، وتنذر بالزوال تحت وطأة حراكهما السلمي، العصيب وغير القابل للكسر.
الرابط المختصر للمقال :

مقالات ذات صلة