بأقلامهم

مواجهة الصفقة الوقحة

صحيفة الملاذ الاخبارية
نقطة البدء في مواجهة خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن يتم تعريفها وتوصيفها بشكل سليم من دون تهوين أو تهويل، فالمسمّى الذي راج لها “صفقة القرن” أضخم كثيراً من مضمونها، بينما هي ليست صفقة، وإنما مخطط يسعى ترامب إلى فرضه على الفلسطينيين. إنها طرح أحادي بامتياز، حيث واشنطن وتل أبيب طرف واحد.
الطبيعي أن أي مقترح يكون قابلاً للقبول أو الرفض، وفقاً لموازين القوى بين أصحابه والمعنيين به. وفي الظرف الراهن، يجب الإقرار بأن المقترح الأميركي لم يكن ليخرج أصلاً بهذه الصيغة المجحفة، لولا الانقسام الفلسطيني والتخاذل العربي في مواجهة استقواء إسرائيلي وبلطجة أميركية. ومقابل هذه الواقعية المطلوبة، لا بد أيضاً من التذكير بأن أي حل أو مقترح لن ينفذ سوى بأيدي الفلسطينيين، قبل أي طرف آخر. ولن يُكتب لأي مقترحٍ النجاح، ما لم يحقق حداً من المطالب والحقوق يقبل به الفلسطينيون. أما التفكير بمنطق الإجبار وتضييق الخيارات الأخرى، فقد ينجح مرحلياً في تمرير الحلول المُجحفة، لكنه لا يضمن بالمرّة استمرارها، وهو الشرط الأساس في حل الصراعات ذات البعد التاريخي، والتي تحدّد مصائر الشعوب.
ولكن الأمر ليس بهذه العمومية، فقد حاول مهندسو “الصفقة” التذاكي، واللعب على غريزة البقاء عند الشعب الفلسطيني، عبر ربط التسوية السياسية التي تهدر الحقوق، وتمحو التاريخ والجغرافيا، في مقابل اقتصادي، أو بالأحرى “إعاشي”. لذا فإن الرفض التلقائي المؤكد لخطة ترامب من الشعب الفلسطيني، كفيل بإفشالها من اللحظة الأولى. ولكنه يظل في حاجةٍ إلى تدعيم لمواجهة الإجراءات العقابية المتوقع أن تتخذها تل أبيب وواشنطن ضد الشعب الفلسطيني، فضلاً عن ما يجري بالفعل من تضييق سبل الحياة وفرض حصارٍ خانق، خصوصاً على قطاع غزة. وأمام الموقف الفلسطيني الرسمي الذي أعلنه الرئيس محمود عباس في جامعة الدول العربية أول من أمس، فإن الإجراءات العقابية الإسرائيلية/ الأميركية لن تميز بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وخيراً فعل أبو مازن بالشرح المفصل لمواقف السلطة وكواليس بعض الاتصالات والمواقف التي تثبت مرونة الفلسطينيين وتؤكّدها منذ مؤتمر مدريد في العام 1991، مقابل تلاعب واشنطن وكذبها بشأن الرغبة في إنهاء الصراع وإيجاد تسوية سلمية.
كان عباس جريئاً وربما مغامراً، حين أعلن أنه رفض استلام رسائل أو تلقي اتصال هاتفي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. تجنباً لتأويل أي تواصل بينهما وتسويقه للعالم قبولا بالصفقة. فهو بهذا المدى من الصراحة يغلق كل قنوات التواصل مع واشنطن، في ظل إدارة ترامب، أي حتى ما بعد انتخابات الرئاسة الأميركية نهاية هذا العام، على الأقل.
الواضح أن الكيل فاض بعباس، ولم يعد لديه ما يخشاه أو يبقي عليه مع واشنطن أو تل أبيب. ما يعني أنه في حاجة إلى دعم في هذه المخاطرة، قبل أن يتم التخلص منه، وإلحاقه بالراحل ياسر عرفات. وهنا يأتي الدور الأهم في مواجهة صفقة ترامب الوقحة، وهو الدور العربي، فالشعب الفلسطيني صار أحوج ما يكون للمساندة العملية بكل الأشكال، خصوصاً بالدعم الاقتصادي في مواجهة حملة تجويع شرسة، تنتظره عقاباً على رفض صفاقة الصفقة.
جاءت كلمات وزراء الخارجية العرب أول من أمس في جامعة الدول العربية مراوغة، وأقل من مستوى الحدث، إلا أن الموقف الفلسطيني، سواء الرسمي أو الشعبي، كفيل بوضع الدول العربية أمام مسؤولياتها وإحراجها أمام شعوبها، خصوصاً أن بعض تلك الدول نفسها منوط بها تحمل تكلفة الخطة الأميركية. وسيكون من المخجل أن تضطلع بذلك العبء، وتدفع عشرات المليارات لتصفية القضية، بحجة تحسين أحوال الفلسطينيين، ولا تقدم ولو جزءاً من تلك الأموال لاستنقاذ الفلسطينيين من القتل البطيء بأيدي إسرائيل وواشنطن.
الرابط المختصر للمقال :

مقالات ذات صلة