بأقلامهم

كورونا وشماتة الشامتين

صحيفة الملاذ الاخبارية
ثمّة نماذج صادمة من البشر، تجعلك تقف مشدوها إزاء قدرتها على ارتكاب الضغينة والقبح والسواد بدم بارد، تدفعهم رغباتٌ وحشيةٌ شيطانيةٌ سادية، تتلذّذ بإلحاق الأذى بالآخرين، وتعتبر مصاب الغير سببا إضافيا للبهجة والاحتفال. وقد لمسنا بأم العين، في الأيام الماضية، انتشار وعلو الصوت القبيح المنفّر لتلك النماذج المؤسفة من أعداء الحياة الكارهين أنفسهم، عبر كمية الحقد والكراهية المجانية والشماتة المقزّزة التي عبّر عنها أولئك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب أنباء وباء كورونا الذي اجتاح مناطق في الصين، وما زالت هذه الكرة الأرضية الحمقاء مهدّدة بانتشار هذا الوباء الخطير وتفشّيه، على الرغم من كل المحاولات المبذولة عالميا لمحاصرته. ومثل العادة، ذهبت التأويلات العبقرية العربية بعيدا في تفسير سبب هذه المأساة، متكئة على الخرافة والحماقة ووهم الأفضلية، منهم من قرّر، بشكل قطعي لا يدانيه شك، بأن ذلك غضبٌ وعقاب ربّاني، ومنهم من أكد أنها حرب بيولوجية تقف وراءها قوى استعمارية غربية، لن تبقى ولن تذر أحدا من الكفرة ذوي السحنات الصفراء!
تداول هؤلاء، على اختلاف مشاربهم، من دون أدنى تعاطف إنساني، النكت والطرائف السخيفة عن تلك الكارثة الإنسانية المثيرة للقلق، لعل من أسخفها وأكثرها ركاكة نكتة انتشرت على نطاق واسع، أن رجلا دخل إلى مصعد مكتظ، وأخذ يسعل بشدة، ثم قال “الله يلعن اليوم اللي زرت فيه الصين”، فدبّ الرعب في قلوب الحاضرين، وهربوا طالبين النجاة لأنفسهم. وغيرها كثير من البذاءات التي اكتسحت الفضاء الأزرق من طراز الطرائف نفسها التي تعبّر عن السماجة وانعدام الحساسية، وافتقاد أبسط معاني الإنسانية من رأفة وعطف وتضامن، يتوفر في العادة لدى الحيوانات في البرية التي تحرص بشكل غريزيٍّ على الدفاع وحماية نوعها.
السؤال هنا: من أي طينةٍ خبيثةٍ صُنع هؤلاء، بحيث استمرأوا استباحة أحزان الآخرين، وتوظيفها لتأكيدٍ على خفّة ظلٍّ ليست في وقتها، وهي غير موجودة سوى في أذهانهم المتبلّدة الصدئة، عديمة الحس، غير مدركين أنهم، مثل غيرهم، عرضةٌ لأحزانٍ كثيرة، تُضمرها في جعبتها لهم الحياة، قد يفقدون أعزاء على قلوبهم، وقد تنقلب حياتهم في لحظةٍ رأسا على عقب، فيفقدون، في لحظةٍ كل شيء. وكما يقول المثل الشعبي “لا أحد يمشي في دروب الحياة على رأسه خيمة” تقيه المقادير المكتوبة، لأن الدنيا بطبعها دوّارة، ولا شي يدوم فيها على حاله، فعلى ماذا إذن يعتمد هؤلاء الشامتون والفرحون بمصائب غيرهم، حين يأتي دورهم، فيُقعدهم حزنٌ أو مرضٌ أو فقدان؟ ترى، كيف سيواجهون مشاعر الحقد والشماتة التي سيقابلها بهم آخرون، كون الشر عنصرا قائما في النفس البشرية؟ والأهم كيف سيواجهون أنفسهم حين تدور الأيام دورتها، لعلهم يدركون حينها أنهم يقطفون ثمار الكراهية ذات المذاق المرّ والكريه.
نتمنّى للصين التعافي السريع، ولكل الأرواح البريئة السلامة والأمان، ولكل الشامتين المرضى بالحقد الشفاء من خبث أنفسهم وشرورها.
الرابط المختصر للمقال :

مقالات ذات صلة