لماذا نشاهد الأفلام والمسلسلات القديمة مراراً وتكراراً؟

صحيفة الملاذ الاخبارية

ايليج نون

منذ فترة وبينما كنت أبحث عن مقطع فيديو على يوتيوب، وقع نظري على المسلسل السوري الشهير “الفصول الأربعة”، والذي تم عرض الجزء الأول منه في العام 1999، وفجأة وجدت نفسي أضغط على زر التشغيل وأشاهد الحلقات تباعاً، مع العلم أنني سبق وأن شاهدتها مرات عديدة وحفظتها عن ظهر قلب، ولكن الإحساس هذه المرة كان مختلفاً عن السابق: ما إن بدأت أغنية الشارة حتى عادت إلى ذهني ذكريات الماضي الجميل، أيام الطفولة والبراءة حيث كنّا نتسمر أمام الشاشة وننتظر الحلقات بفارغ الصبر، مع ما تحمله من مفاجآت وأحداث مشوقة، وسط أجواء عائلية بامتياز، وقصص واقعية نابضة بالحياة، تلامس حياتنا العادية بجميع تفاصيلها….

يعتبر مسلسل “الفصول الأربعة” من كلاسيكيات الدراما السورية، واليوم وبعد مرور  20 عاماً على عرضه، لا تزال شخصياته مترسخة في أذهان الناس، بحيث يحرص العديد من الأفراد على إعادة إنعاش ذاكرتهم عن طريق مشاهدة المسلسل بين الحين والآخر.

ADVERTISING

ألو حياتي، صح النوم، المعلمة والأستاذ، يوميات جميل وهناء، عائلة الحاج متولي، ليالي الحلمية، طالبين القرب، من أحلى بيوت راس بيروت… هذه عيّنة من المسلسلات والأفلام التي مرّ عليها الزمن ولكنها لا تزال محفورة في الذاكرة، والأهم أنها لا تزال تعرض على الشاشات العربية وتحظى بالقدر نفسه من الإعجاب والمتابعة.

ما الذي يدفعنا لمشاهدة الأفلام والمسلسلات القديمة مرات عديدة دون ملل؟

لعبة “الرايتنغ”
لا شك أن لعبة “الرايتنغ” تتحكم بإدارات المحطات التلفزيونية والتي تسعى دوماً إلى رفع نسبة المشاهدين، فتبحث عن مسلسل مثير لتعرضه على شاشاتها، وبالرغم من السعي دوماً لمواكبة العصر من خلال قصص “شبابية” تحمل طابعاً عصرياً، فإنها تُبقي مساحة معيّنة لإعادة بث بعض الأفلام والمسلسلات القديمة والتي سبق وأن جذبت اهتمام الجمهور، ومرة جديدة تثبت هذه الأعمال القديمة أنها قادرة على منافسة الأعمال الحديثة وحتى التفوّق عليها في معركة “الرايتنغ”.

والحقيقة أنه في هذا العصر الذي بلغت فيه غزارة الإنتاج السينمائي والتلفزيوني أوجها، لم نعد بحاجة للبحث كثيراً بغية العثور على فيلم جديد لمشاهدته، إذ إن منصات البث التدفقي عبر الإنترنت، تتيح لنا إمكانية الاختيار بين آلاف الأفلام ونحن على الأريكة.

بمعنى آخر، بات بإمكاننا أن نشاهد شيئاً مختلفاً كل ليلة دون أن نبرح مكاننا، ومع ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يختار الكثير من الناس مشاهدة أفلام سبق لهم أن شاهدوها مرتين أو عدة مرات، مع العلم أنهم حفظوا كل كلمة فيها عن ظهر قلب؟

تعبّر ميرنا (البالغة من العمر 40 عاماً) عن إعجابها بالمسلسلات اللبنانية القديمة التي تعود لفترة التسعينيات، وأبرزها “العاصفة تهب مرتين” للكاتب شكري أنيس فاخوري، فتقول لرصيف22: “هذا المسلسل شكل نقلة نوعية بمفهوم الدراما اللبنانية، وذلك بسبب المشاهد الحميمية والقبلات التي لم تكن مألوفة في حينها”، مشيرة إلى أن قصته تحاكي بامتياز الواقع الاجتماعي الذي نعيشه: “يتحدث العمل عن رجل أعمال يتمادى في تصرفاته مع النساء، ما يساهم في تفاقم المشاكل بينه وبين زوجته، الأمر الذي يؤدي إلى الطلاق وبروز المشاكل بينهما، وبالتالي فإن القصة قد تحصل مع أي شخص منّا”.

لماذا نُدمِن المسلسلات التلفزيونية ونقع في حب أبطالها؟

من حمام الهنا إلى باب الحارة، من منا ينسى هذه المسلسلات السورية؟

المسلسلات المصريّة “مش ببلاش”.. عن احتكار المتعة في شهر رمضان الكريم!

وتكشف ميرنا أنه منذ فترة قصيرة عرضت إحدى القنوات اللبنانية هذا المسلسل من جديد، فتابعته بشغف رغم أنها تتذكر جميع تفاصيله: “بعرف شو بدو يصير وبتذكر تقريباً معظم الحوارات والأحداث، بس هيدا المسلسل بذكرني بمرحلة حلوة بحياتي كنت فيها مرتبطة بعلاقة مع شب وعم عيش قصة حب لذيذة… واليوم وقتا إرجع إحضرو بحس بنوع من الحنين وبشعور غريب صعب ينوصف، من جهة بحسّ قديه كبرت ونضجت ومن جهة تانية بحنّ شوي لهيديك الإيام”.

وبدورها توضح سينتيا (28 عاماً) أن المسلسل الأحب على قلبها هو “نيال البيت” والتي شاهدته عشرات المرات حتى الآن: “هذا المسلسل light (خفيف) وبيسلّي كتير، بالأخص شخصية صابر مع إنو هلق صرت شوف إنو نكتو بايخة بس بعدني بضحك عليها”، وتضيف لرصيف22: “وقتا إرجع إحضر هالمسلسل بتذكر مرحلة المدرسة وكيف كنت أنطر مناطرة الجمعة المسا تشوف شو بدو يصير بكل حلقة”، هذا وتشير إلى أنها لا تزال تشاهد أيضاً مسلسل “من أحلى بيوت راس بيروت”، بين الحين والآخر: “بحسسني هالعمل بالدفا والأمان وكل مرة بحضرو بكتشف تفاصيل ما كنت منتبهتلا من قبل”.

الترفيه المألوف
من السهل تحديد الأفلام التي شاهدناها مراراً وتكراراً، إلا أن معرفة سبب اهتمامنا بها إلى هذا الحدّ، تبقى مسألة أقل وضوحاً.

لا شك أن أحد الأسباب التي تدعونا لمشاهدة الأفلام أكثر من مرة هو أننا نحبها ونعتقد أنها تستحق المزيد من اهتمامنا، فبعض الأفلام لا ينقصها شيء على الإطلاق، إذ إن قصتها مثالية وتجعل المشاهد يشعر بسعادة وراحة نفسية، فيصف الناس عادة الأفلام القديمة الشهيرة بأنها تستحق المشاهدة أكثر من مرة، لأننا في كل مرة سنلاحظ تفاصيل جديدة لم نلحظها قبلاً، إلا أن مشاهدة فيلم قديم ليست كالاستماع إلى أغنية قديمة تستغرق بضع دقائق فقط، فما الذي يجعلنا نقضي ساعتين وأكثر، لمشاهدة أفلام نعرف مسبقاً جميع تفاصيلها؟

يعتبر البعض أن مشاهدة شيء نعرفه يستهلك مجهوداً ذهنياً أقل مقارنة بالأفلام الجديدة، بحيث أنه ليس علينا التركيز في الفيلم لمعرفة أحداثه لأننا نعرفها بالفعل، وعليه بإمكاننا الجلوس والاسترخاء والاستمتاع فقط بالمشاهدة.

وفي بعض الأحيان نشعر أنه كلما زادت خيارات الأفلام الجديدة، كلما زادت رغبتنا في العودة إلى الأفلام التي ندرك أنها لن تخيب ظننا، هذا الشعور يعرفه تماماً أولئك الذي يقضون ساعات في البحث عن الأفلام على شبكة نتفليكس.

وفي هذا الصدد، تحدث موقع بي بي سي عن ظاهرة نفسية تعرف ب mere-exposure (أثر التعرض المحض) والتي تعني تفضيل الأشياء المألوفة، فكلما شاهدنا هذه الأفلام، كلما أردنا مشاهدتها أكثر، هذا وقد تصبح بعض الأفلام جزءاً من عادات الاحتفال، إذ لا يشعر الكثيرون مثلاً بقدوم عيد الميلاد (كريسماس) إلا بإعادة مشاهدة أفلام معيّنة تتحدث عن بابا نويل والهدايا وتجسّد جوّ الأعياد الجميلة…

ويبدو أن ظاهرة reconsumption (إعادة الاستهلاك)، كما يسميها الباحثون، أكثر تعقيداً مما قد يظن المرء، بحيث قد يلجأ الناس إلى “الترفيه المألوف” لقياس كيف تغيّرت حياتهم بطريقة إيجابية، ففي العام 2012 كشفت دراسة أجراها كل من كريستل أنتونيا راسيل وسيدني جيه ليفي، أستاذا التسويق في جامعة أريزونا، أن مشاهدة الأفلام القديمة تجعلنا نفكر ملياً في تقدمنا في السن والتغيرات التي طرأت على حياتنا.

نوستالجيا وحنين إلى الماضي
قد يكون الحنين إلى الماضي السبب الرئيسي الذي يدفعنا إلى مشاهدة الأفلام والمسلسلات القديمة.

وتعليقاً على هذه النقطة، يقول كلاي روتليدج، أستاذ علم النفس في جامعة داكوتا الشمالية، إن ذلك يشكل غريزة فطرية: “نريد أن نستهلك محتوى جديد ونحظى بتجارب جديدة، ولكن من الجيد في سيكولوجية الإنسان أن يكون لدينا شعور بالاستمرارية، وأن نشعر أننا متصلون بالمكان الذي نشأنا فيه”، مشيراً إلى أن هناك بعض التجارب الثقافية والشخصية التي نود العودة إليها كوسية لتثبيت جذورنا.

وتظهر الأبحاث أيضاً أن بعض الحالات العاطفية قد تثير في داخلنا حنيناً إلى الماضي، ويوضح روتليدج ذلك بالقول: “عندما نشعر بالحزن أو بالوحدة أو بالقلق أو بعدم اليقين، فإننا نحتاج لشيء يذكرنا بالمكان الذي أتينا منه أو بما نحن عليه. ونحن ننجذب أكثر إلى أشياء مألوفة نعرفها ونعرف أننا نحبها، لهذا نشاهد أفلاماً معينة عندما ينتابنا القلق أو الضغط النفسي أو المرض، فنشعر بالراحة عند استعادة هذه الأفلام”، معتبراً أن “خوض تجارب من الماضي هو رد فعل الجسم الطبيعي لاستعادة الشعور بالاستقرار والأمان”.

مشاهدة الأفلام القديمة تجعلنا نفكر ملياً في تقدمنا في السن والتغيرات التي طرأت على حياتنا
عندما نشعر بالحزن أو بالوحدة أو بالقلق أو بعدم اليقين، فإننا نحتاج لشيء يذكرنا بالمكان الذي أتينا منه أو بما نحن عليه. ونحن ننجذب أكثر إلى أشياء مألوفة نعرفها ونعرف أننا نحبها، لهذا نشاهد أفلاماً معينة عندما ينتابنا القلق أو الضغط النفسي أو المرض
هذه النوستاليجا التي تحملها عملية مشاهدة الأفلام المألوفة تحدث عنها أيضاً نيل بورتون، صاحب كتاب Heaven and Hell: Psychology of the Emotions عندما قال لصحيفة هافيغتون بوست:” يمكن أن تذكرنا النوستالجيا بأن حياتنا ليست تافهة كما تبدو لنا. كما أنها تخبرنا بأن هناك- وسوف يكون هناك مرة أخرى- لحظات وتجارب هادفة”.

وتظهر العديد من الأبحاث أن الحنين إلى الماضي يمكن أن يجعل الناس يشعرون بمزيد من التفاؤل بشأن المستقبل، بالإضافة إلى التغلب على الشعور بالوحدة والقلق، وتعليقاً على هذه النقطة، يقول بوترون:” في كل مرة يشاهدون فيها حلقة، وكأنهم يقابلون أصدقاءهم ويثرثرون ويحصلون على مغامرات جديدة، ولكن هناك الكثير من الحلقات، وبمجرد نفادها، ما الذي بامكانهم فعله سوى إعادة مشاهدتها من جديد؟”.

اضغط هنا لزيارة صفحة  صحيفة الملاذ الاخبارية عبر الفيس بوك

اضغط هنا لزيارة قناة صحيفة الملاذ الاخبارية على يوتيوب