لماذا يواجه المجتمع عارضي الأزياء بالسخرية؟

صحيفة الملاذ الاخبارية

الملاذ-

نرمين سليمان

لا يعتبرهم الرجال “رجالاً”، أما الفتيات فيرفضن الارتباط بهم لكثرة العلاقات النسائية في أوساطهم. هكذا هي نظرة المجتمع المصري للشباب الذين يعملون في مهنة عرض الأزياء.

دخل محمد طارق عالم عرض الأزياء منذ سبع سنوات، عندما تعرّف بالصدفة على فتاة خلال جلوسه في مقهى. “قالت لي إنها ‘موديل’، وقالت إن شكلي جذاب و’لبسي حلو’”، يروي.

يتحدر طارق (27 عاماً) من محافظة شمال سيناء، ويعمل والده تاجراً للأخشاب ويملك ورشة نجارة، وبطبيعة الحال رفض عمل نجله في مهنة عرض الأزياء. “قال معندناش الكلام ده، غلط وعيب وحرام تعرض جسمك، خاف على نفسك”.

محمد طارق

انتظر الشاب حتى تخرج من كلية التجارة في جامعة عين شمس واستقل بحياته. “حالياً أنا ساكن في المعادي (ضاحية راقية جنوبي القاهرة) ومستقل بذاتي”، يقول.

بدأ طارق عمله عارضاً للأزياء وتدرّج حتى وصل إلى العمل مع أكبر شركة إعلانات، وصار بإمكانه اختيار الموديلات التي يعرضها، وعمل مساعد مخرج في 3 إعلانات. وعن مواصفات مَن يعمل في هذه المهنة، يقول: “الإعلانات بتطلب كل الناس، من اللي ودانه كبيرة للراجل المضبوط جداً”.

يحب طارق عمله. “أصدقائي معجبون جداً بالفكرة، وكل الناس تحسدنا على عملنا”، يعلّق.

العمل في مجال عرض الأزياء مجزٍ مادياً. “هناك شباب يتقاضون أجوراً أعلى من أجور الفتيات، وممكن أن أتقاضى عن إعلان 4 آلاف جنيه بينما تتقاضى الفتاة ألفين. الأجر مرتبط بالخبرة، ويراوح بين ألف و10 آلاف جنيه عن الإعلان الواحد”.

يتمسك الشاب ببعض عاداته وتقاليده فيرفض ارتداء المايوه: “مينفعش ألبس حاجة مُخلَّة”. لكن رغم ذلك، تسبب عمله في انفصاله عن خطيبته: “غضبت لأن تواصلي مع الفتيات كثير. عليّ أن أخرج مع فتيات من منطلق العلاقات، فالعلاقات مهمة كي أتدرج إلى أعلى في المجال. أهل خطيبتي كانوا يتمنون عليّ أن أغيّر مهنتي لأنها لا تدوم”.

يوضح الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في القاهرة، أن بعض الفتيات يرفضن الارتباط برجل يعمل عارضاً للأزياء لأنهن “متشبعات بالثقافة الذكورية المنتشرة في المجتمع”، مشيراً إلى ما يسمى في علم الاجتماع بـ”متروسيكشوال Metrosexual”، أي الرجل الذي ينفق الكثير من وقته وماله للاهتمام بمظهره، وهو ما يحصره مجتمعنا بالفتيات فقط.

ويضيف صادق لرصيف22 أن تقبل المجتمعات العربية للرجل الموديل يتوقف على المستوى الثقافي والاجتماعي الذي وصل إليه كل مجتمع، لافتاً إلى أنه رغم سيادة الثقافة الذكورية في مجتمعاتنا، فإن النظرة بدأت تتغير تدريجياً، وبدأ كثيرون يدركون أهمية الموضة.

“لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء”

تخرج محمد عَلَم (27 عاماً) من كلية نُظُم المعلومات، وعاش حياته في كنف أسرة ميسورة الحال من القاهرة، فوالده كان يعمل مديراً في الشركة المصرية للاتصالات.

محمد علم

لم يعتبر عمله كعارض أزياء مهنة، بل هواية يحبّ ممارستها بجوار عمله الأساسي في تصميم حقائب السيدات. بدأ العرض بالصدفة، إذ كان لديه صديق يعمل مصوراً للعارضات، وعرض عليه المشاركة في فيديو يعرض فيه الملابس، ثم بدأت العروض تصل إليه.

شغفه بالملابس وتنسيق الألوان كان أكبر دوافعه لدخول المجال: “اشتغلت في محل للملبوسات بعد التخرج، لديه خدمة اسمها العرض البصري، أي عندما يأتي زبون، أرتدي ما يختاره من ملابس كي يراها، وكان يعجبهم ذوقي ورأيي إلى درجة أن بعضهم قد يشتري بـ40 أو 50 ألف جنيه. وأيضاً، اعتدت النزول مع أصدقائي للتسوق معهم ولأختار لهم الملابس وأنسقها”.

لم يواجه الشاب أزمة مع أسرته، فوالدته كانت تشجعه دائماً وتحفزه على أن تكون ملابسه مختلفة عن ملابس أصدقائه، وكانت أكبر داعم له عند دخوله مجال عرض الأزياء، أما والده فكان مشغولاً بحكم عمله مديراً: “أبويا مكنش مركز معايا ولم يدعمني، بس كانت مشكلته معايا الفلوس وإني لازم أحوِّش”.

يوضح علم لرصيف22 أن “المهنة تحتاج إلى مظهر وجسم رياضي يليق عليه اللبس، ووجه جذاب و’ستايل’ للحية والشعر”. لا يؤمن بأن العرض يصلح كمهنة أساسية: “بالنسبة إلي العمل في عرض الأزياء ثانوي بجوار عملي الأساسي، ففيه مشاكل ويحتاج إلى علاقات ووسائط”.

محمد علم

يواجه “الموديلز”، بحسب محمد، كثيراً من الصعوبات، منها احتمال إعادة التصوير أكثر من 100 مرة من أجل لقطة واحدة، ولذلك يتطلب عملهم التركيز ويتسبب بتوتر كبير. لكنه لا يرى صعوبة في عرض المايوهات أو الأزياء ‘غير المحتشمة’”. بالعكس. “حتى الأزياء الغريبة أرى فيها شيئاً جميلاً”، يقول.

يؤكد الدكتور أنور حجاب، أستاذ علم النفس في جامعة عين شمس، لرصيف22 أن الثقافة العامة في مصر لا تقبل عارض الأزياء الرجل وتعتبره يميل للأنوثة، لكن بعض الفتيات ربما يُعجبن بهذا النوع من الرجال، بحسب تربيتهن والبيئة التي نشأن فيها.

ويلفت إلى أن الإرث الديني وطريقة فهم العقيدة الدينية يلعب دوراً مهماً في تكوين هذه النظرة، فكثيرون من رافضي تلك المهنة ينظرون إلى العاملين بها على أنهم متشبهون بالنساء، ما يضعهم تحت طائلة الحديث النبوي “لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء”.

“لا لعرض الملابس الداخلية”

بحكم نشأته في أسرة متوسطة الحال، اضطر زياد سليم للعمل في سن مبكرة. بدأ الشاب الذي يبلغ الآن 19 عاماً من العمر مصوراً لعروض الأزياء لأكثر من عام، ومن هنا وُلد شغفه بهذه المهنة. وبعد ذلك، دعاه أحد القائمين على عروض الأزياء للعمل معه بعدما أقنعه بأن ملامحه مناسبة: “قالوا لي إن ملامحي كويسة وينفع أشتغل معاهم موديل، وفعلاً لقيت الموديل أفضل بالنسبة لي”.

زياد سليم

لم تعترض أسرته، لكنهم رفضوا بعض الإعلانات: “مثلاً، اتعرض عليّ إعلان لشركة بوكسرات، لكن والدتي رفضت وقالت لي إزاي هتطلع تعرض جسمك، ووالدي مكنش حابب كده، في حين إني كنت شايفه عادي”.

“دي مش مهنة رجالة… يعني إيه يلبس بنطلون ضيق عشان يعجب الناس؟ الرجالة سابوا إيه للبنات؟ كده مفيش فرق بينه وبين البنت”… كيف ينظر المصريون إلى مهنة عارض الأزياء؟

لا يعتبرهم الرجال “رجالاً”، أما الفتيات فيرفضن الارتباط بهم لكثرة العلاقات النسائية في أوساطهم. هكذا هي نظرة المجتمع المصري للشباب الذين يعملون في مهنة عرض الأزياء

يدرس زياد سليم في كلية الإعلام في جامعة الزقازيق، ويقول لرصيف22 إنه يحب مهنة الموديل لأن لها علاقة بالميديا، بينما تمثل الدراسة بالنسبة له “متعة مش أكتر”.

زياد سليم

وحيث يوجد مشجعون، هناك بالطبع محبِطون: “بعض العاملين في المجال قالوا مش هتنفع موديل خليك في التصوير، وبعض العارضين قالوا شعرك مش كويس”.

كثيرون سخروا منه في البداية، إذ ينظرون إلى الرجل الموديل على أنه “عيل فافي وطري”. ورغم التنمر عليه والسخرية التي يتعرض لها، يتمنى سليم الاستمرار في العمل عارضاً، باعتبار ذلك خطوة من الممكن أن تدفعه لدخول عالم التمثيل.

سليم “موديل حر”، يعمل منفرداً: “مَن يحتاجني يتصل بي ونتفق على مكان التصوير، وهناك وكالة للعارضين يذهب العميل ويطلب منها توفير عارض له”.

ويقول: “البنات بيشوفوا الرجل الموديل جذاب، وبعض البنات بتبعتلي على السوشال ميديا إنها معجبة بالشغل. ده بيحصل دايماً”.

“لا فارق بينه وبين البنت”

لا تتقبل الثقافة المصرية عمل الرجل في مهنة عرض الأزياء بشكل كبير. سمر، فتاة ثلاثينية، تؤكد أنها ترفض الارتباط بشاب يعمل في هذا المجال، خصوصاً لو كان يعرض الملابس الداخلية: “عيب في حقي وده يخليه يقل في نظري. جايز يكون تفكيري قديم، بس أنا مش هكون مبسوطة وجوزي موديل للبس ده. مش حاسة إنها وظيفة محترمة أو شغلانة متكسفش منها”.

أما أحمد، 26 عاماً، فيشدد على أن عرض الأزياء “مش مهنة رجالة”، والمشتغل فيها “طري”، ويتساءل: “يعني إيه يلبس بنطلون ضيق عشان يعجب الناس؟ الرجالة سابوا إيه للبنات؟ كده مفيش فرق بينه وبين البنت”.

وترفض هند، 28 عاماً، الارتباط برجل يعمل عارضاً: “شغلانة مش مهمة، وأنا لازم أتجوز شخص عنده طموح بعكس الموديل. ممكن تبقى شغل ثانوي، لكن مش شغله الأساسي. دي شغلانة ملهاش هدف”.

يعضد الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة، من الآراء السابقة، مشيراً إلى أنه رغم أن ثقافة المجتمع المصري لا تتقبل حتى الآن عمل الرجل في تلك المهنة، فإن الفتيات، وخاصة المراهقات من الأجيال الجديدة، ينبهرن بهؤلاء الشباب ولا يرفضن الارتباط بهم، أما الرفض فيأتي من الأهل الذين يبحثون عن “شباب كلاسيك”.

اضغط هنا لزيارة صفحة  صحيفة الملاذ الاخبارية عبر الفيس بوك

اضغط هنا لزيارة قناة صحيفة الملاذ الاخبارية على يوتيوب