قصص غزاويات من التعنيف إلى الهجران

صحيفة الملاذ الاخبارية

الملاذ-

أمجد عرفات…

دفعت ظروف الفقر والحصار العديد من الرجال في الشرائح الأكثر فقراً إلى استغلال أية فرصة متاحة للبدء بحياة جديدة مع زوجة أخرى، وقد تكون هذه البداية الجديدة نهاية للزوجة التي صمدت لسنوات على حلو الحياة ومرّها.

في مجتمع كهذا، تغلب عليه النزعة الذكورية، تدفع المرأة الثمن الأكبر، حتى لو قبلت بشروط المجتمع الظالمة عليها، وتجاوزت عن حقوقها، والتعنيف المستمر من الزوج أو الأقارب، فقد تلقى نهاية مأساوية أقرب للموت البطيء.

ظاهرة زواج كبار السن انتشرت في الآونة الأخيرة بغزة، بذريعة أن “الشريعة الإسلامية” تسمح بتعدد الزوجات، مهملين ومتجاهلين مشاعر المرأة التي رافقتهم، وعاشت ظروفاً صعبة متخلية عن طموحاتها واستقلاليتها.

وبحسب الفهم الشائع في غزة عن “الشريعة الإسلامية”، فهي تسمح بتعدد الزوجات في حال استطاع أن يعدل بينهن في مناحي الحياة، سواء أكان المال أو المأكل أو الملبس أو حتى المبيت، وأن تتوفر لديه القدرة الجسدية أيضاً، وحرَمت “الشريعة” التعدد دون ذلك، بما فيها هجران إحدى الزوجات.

ولكن ما نذكره الآن يتعلق برجال مسنين يهجرون زوجاتهم، بل ويمارسون التعنيف بحقهن، بدون وجود تقاليد تحميهن أو حتى قوانين.

أم رمزي مشلولة في مشفى
مستشار شؤون العشائر في قطاع غزة السيد أشرف أبو رخية، ممن مضوا في حراكٍ إصلاحي وعشائري لقضايا تعنيف النساء عدة مرات، يروي أهم القصص التي حاول أن يعالجها.

يروي أبو رخية لرصيف22 قصة السيدة أم رمزي، في العقد السادس من عمرها، تزوج عليها زوجها الستيني، حيث حصلت العائلة على المال من قبل لجنة المصالحة المجتمعية التي تقوم عليها الفصائل الفلسطينية، عبر دفع فدية قدرها 50 ألف دولار أمريكي لكل عائلة فقدت ابنها إثر الاقتتال الداخلي الفلسطيني، في أحداث انقلاب حركة حماس على الحكم في قطاع غزة صيف 2007.

اعتادت نهى بعد اقتران زوجها المسنّ بأخرى، وهجرانه لها أن تذهب يومياً مشياً على أقدامها لمسافة تسعة أميال للبحر، تجلس على شاطئه وحيدة لساعات
“حالات العنف ضد المرأة من الأزواج تضاعفت في غزة بشكل سريع في 2019، وعدد كبير من المعنفات تأذين بكدمات وجروح وكسور من أزواجهن لخلافات داخلية بين الضرائر”
وجرى توزيع الفدية في شهر مايو من عام 2019، حيث استلم الزوجان المبلغ، ولكن عقب الحفل بأيام، بدأ زوج أم رمزي بتقسيم بيته الكبير لنصفين، ووضع لكل بيت باباً خارجياً، حيث أصبح المنزلان منفصلين عن بعضهما تماماً من خلال جدار، ولم تعرف الزوجة ولا أولادها الغرض من هذا البناء، لتتفاجأ بحفل زفاف أقيم لزوجها في منطقتها وسط قطاع غزة، من فتاة ثلاثينية هي بعمر أحفاده غالباً.

السيدة التي تسكن بعيداً عن أبنائها الأربعة لانفصالهم عن بيتهم الرئيسي بعد زواجهم، لم تتحمل هذه الصدمة، وأصيبت بجلطة أقعدتها كلياً عن الحركة، بعد إصابتها بشلل شبه كلي، وهي الآن ترقد في مشفى الوفاء للمسنين بغزة، كما يوضح أبو رخية.

 

ويضيف أبو رخية، “لم يكتف زوج سعاد بذلك، فهي بلا سكن حالياً، كونها ترقد في المشفى، ليقوم زوجها بعرض مسكنها للبيع، متناسياً أنه الملجأ الوحيد لامرأة ترقد في المشفى بسببه، ومتناسياً أيضاً 40 سنة من العشرة، التي لم تكن كفيلة بحجب سحر النساء عن السيدة التي طاوعته لعقود”.

نهى… وحيدة على الشاطئ
حالة أخرى في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، “نهى” (اسم مستعار)، سيدة مكافحة، جعلت من زوجها تاجراً ذا شأن في المنتجات الغذائية الزراعية، أنجب منها 10 أبناء، وهو سبعيني وهي خمسينية، تزوج عليها المرة الأولى في عام 2000، ولكن ضُرّتها ظلت حتى الآن بلا إنجاب، تكمن الإشكالية هنا بأنه إذا تزوج الرجل بأخرى فذلك يعني نسياناً وهجراناً لما قبلها، وها هو يتزوج بثالثة في منتصف عام 2019، ما جعله يهجر زوجتيه الأولى والثانية، وكانت صاحبة النصيب هذه المرة ثلاثينية أيضاً، بعمر أولاده من زوجته نهى.

ويشير أبو رخية إلى أن هذا الرجل لم يفكر بالرجوع لزوجته الأولى في حال اشتاق لحضن أنثوي آخر طيلة فترة زواجه من الثانية، التي تبين فيما بعد بأن زواجه منها ليس بغرض الإنجاب بل المتعة، وذهب للزواج من ثالثة أيضاً، ما أحدث أذى نفسي لزوجته الأولى، التي أصبحت تذهب يومياً مشياً على أقدامها لمسافة تسعة أميال ذهاباً وإياباً للبحر، تجلس على شاطئه وحيدة قرابة 10 ساعات وأكثر، أما زوجته الثانية فهي غير مبالية بقدر ضُرّتها الأولى كونها لم تنجب لزوجها أطفالاً.

وأُغري هذا الزوج بالمال قبل العشق، للارتباط بهذه الفتاة الشابة التي هربت من شبح  تأخر سن زواجها، نحو حضن رجل عجوز، والتي استطاعت بفطنتها أن تقطع الارتباط بينه وبين ضرائرها.

وإلى منطقة البريج وسط قطاع غزة أيضاً، حيث تسكن تهاني، (59 عاماً) تعمل في السلك الطبي، زوجها ستيني، وها هو يتزوج بفتاة تصغره بـ33 عاماً، وزوجته الأولى أنجبت له تسعة أبناء، لم يعرف أحد من أبنائه أو زوجته بذلك الا عندما اكتشفوا أن والدهم استأجر لنفسه شقة تبعد عن بيته 100 متر.

مؤخرا وصلت شكاوى السيدة تهاني لمستشار شؤون العشائر في قطاع غزة السيد أشرف أبو رخية، حيث تُعاني من تعنيفٍ حاد من قبل زوجها، ليجبرها على خدمة ضُرتها التي هي أصغر من بناتها أساساً.

“تعرضت تهاني للضرب المبرح في الشارع أيضاً أمام الجيران والمارة”.
وبحسب ما يوضح أبو رخية، بأنها تعرضت للضرب المبرح في الشارع أيضاً أمام الجيران والمارة، وقد تعرضت لجروح متوسطة وعميقة في وجهها ورأسها، حتى علامات الغُرَز وخياطة الجراح بارزة الوضوح على خدها ورأسها، وقد حققت الشرطة معه عدة مرات، لكن بلا نتيجة، وذلك بسبب التهديدات بالقتل التي تعرضت لها السيدة تهاني من قبل زوجها، إذا أقدمت على التقدم بشكوى ضده.

هذه السيدة التي لم تتحمل معاملة زوجها لها، أصيبت بأذى جسدي حاد، ونفسي أيضاً، وهي على درجة علمية عالية، فقد تناولت في منتصف سبتمبر من عام 2019 حبوب هلوسة وسامة، مُقدمةً بذلك على الانتحار.

“أفترش الشارع مع أولادي”
تحدثت السيدة سمر هويشل لرصيف22 عن الحالة المأساوية التي حلت بها، ولكن ما يميزها عن سابقاتها من النساء، بأن سمر هي الزوجة الثالثة، قائلة: “لما ضاقت به الحياة من الناحية المادية، اختارني ليتخلى عني، إذ ألقى بي أنا وأولادي الأربعة في الشارع متبرئاً منا، ما دفعني للنزوح نحو أحراش مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، أستر نفسي أنا وأبنائي، داخل أربعة أعمدة من أغصان الشجر وألواح الزينكو مثبتة في الرمال ومغلفة بالنايلون، حيث أنها قد تسقط بأية ريح قد تزور البلاد”.

وتضيف سمر، “لم تكن الضائقة المالية هي السبب الرئيسي للتخلي عني وعن أولادي، لأنني كنت أعتاش من ميزانية أبي، بل لعدم مقدرته على إدارة أوضاع البيت في وجود ثلاث نساء، فكنت دائماً أحرد عند والدي، لدرجة أن أبنائي الأربعة أنجبتهم في منزل أهلي، ولكن ما أن تُوفي والدي وارتميت في الشارع، رفض إخوتي احتضاني، وجعلوني جميعهم أفترش الشارع، كما هو أنا عليه الآن”.

“مضايقات الأسرة تدفع الشابات للزواج”
تعلق هنادي سكيك، مديرة بيت أمان المرأة في قطاع غزة، على العديد من الحالات النسوية التي احتضنتها المؤسسة، ممن تعرضن للعنف من أزواجهن، مشيرة إلى أن الحالات في ازدياد سريع، فقد تم تسجيل 435 حالة احتضنتها المؤسسة، ووفَّرت لها الإيواء خلال عام 2018، بينما الحالات تضاعفت في 2019، فقد شهدت ثلاثة أشهر هذا العام، مايو ويولويو ويونيه، من هذا العام 135 حالة حتى الآن، عدد كبير منهنّ تأذّين بكدمات وجروح وكسور من أزواجهن لخلافات داخلية بين الضرائر.”تعدد الزوجات ما زال أمراً غير متقبل في كافة المجتمعات العربية المسلمة”.
وعن تأثير مثل تلك العلاقات على الأبناء، يوضح دكتور التنمية الاجتماعية والعلاقات الأسرية محمد بشارات، في حديث لرصيف22، أنَّ تعدد الزوجات ما زال أمراً غير متقبل في كافة المجتمعات العربية المسلمة، وعادة ما تكون نتائجه خلق العداوة بين رب البيت والأبناء من الزوجة السابقة، الذين يعتبرون الأب مُلكاً خاصاً لهم ولوالدتهم، فما زال هاجس الخوف من الهجران مستمر، من ناحية قطع الصلة بين الأب وأبنائه، وكذلك مصاريف ولوازم الحياة وغيرها.

المطلوب هنا، كما يوضح بشارات، تهيئة الأبناء قبل ذلك، وأن يجعل الفكرة متقبلة لهم، كي لا يكون القرار مفاجئاً، وتجنب كافة الإشكاليات مع زوجته السابقة قبل زواجه بالثانية، حتى لا يأخذ الأبناء انطباعاً أو فكرة بأن حياته الجديدة جاءت لتلغي حياته السابقة بأكملها بسبب الخلافات الزوجية.

وعن البعد الاجتماعي في علاقات الزواج تلك بين المسنين والفتيات الشابات، يقول بشارات: “من ناحية الفتيات الشابات، فلهن أسبابهن الخاصة التي تكون معاكسة تماماً لأسباب الرجل، فالشهوة الجنسية لدى الفتاة نادراً ما تكون سبباً مباشراً لها بهذا الزواج، وإنما السبب المباشر يكمن في الخوف من تأخر التحاقها بالزواج، وخاصة في مجتمع قطاع غزة، الذي يصم الفتاة التي تعدَّت الـ25 عاماً من عمرها ولم تتزوج بـ”العانس”، وفاتها قطار الزواج، أو بسبب مضايقات وتهديدات أسرية، وقد تضطر الفتاة بسبب ذلك، إلى وهب الرجل ثروتها إذا كانت من الأغنياء.

اضغط هنا لزيارة صفحة  صحيفة الملاذ الاخبارية عبر الفيس بوك

اضغط هنا لزيارة قناة صحيفة الملاذ الاخبارية على يوتيوب