ارشيف الملاذ نيوز

جمهورالخبز.. وحكومة الإصلاح المضطربة

وليد حسني
“لن تمس السياسات الحكومية الخبز”، قال ذلك رئيس الورزاء بجرأة وثقة بدت أكثر من قاطعة، إلا ان احدا من “جمهور الخبز ” لم يصفق له، لم يحتفل” جمهور الخبز ” بتأكيدات الرئيس الملقي بنجاة رغيفهم من مقصلة السياسات الإقتصادية المقبلة..
ظل رغيف الخبز بمنأى عن التدخلات الحكومية، وسيبقى رغيف الخبز يحظى بكامل الإحترام الحكومي، وبكامل القدسية الشعبية من” جمهور الخبز” الذي يضعه في أعلى سلمه الغذائي.
قبل نحو عشرين سنة مضت كان الخبز عنوانا في أزمة، بدأت بالتسريبات من حكومة عبد الكريم الكباريتي،وانتهت بجمهور الخبز في الشارع منتفضا ومحتجا، بالعنف تارة وبالاحتجاج السلمي تارة أخرى، والبعض من جمهور المحتجين أنس الإعتقال وركن الى السجن وهو يتفاخر بأنه” سجين الخبز..”.
منذ تلك اللحظة الفارقة في التاريخ الشخصي للخبز في الأردن ورغيف المواطن موضوعا مفتوحا في كل التوجهات الحكومية لإصلاح الإقتصاد، وتهذيب أخلاق الموازنة القاسية تجاه جمهور الخبز.
بالأمس القريب أعيدت أسطوانة تعليق الخبز على منصة المجادلة والمقايضة، وكأن الخبز هو المشكلة الأبرز والأكثر ضغطا على موازنة الدولة، وكانه أيضا هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع المديونية العامة للدولة لنحو 23 مليار دينار.
رغيف خبز المواطن يصرخ ببراءته من تهمة إغراق الإقتصاد الأردني بتلك المديونية باهظة التكاليف والإستحقاقات، وكذلك جمهور الخبز والشاي، الذي يوقن تماما ببراءة سنام غذائه من اتهامات الحكومات، وتهديداتها المتتالية بالعبث بأسعار الخبز ورفع الدعم عنه وتركه طليقا لا أحد ينظر اليه بعين الشفقة، لا من أصحابه الين يقيمون علاقتهم الحياتية معه على أسس إستراتيجية محضة، ولا حتى من عائلته التي تؤويه من الحكومات.
جمهور الخبز من المواطنين لا ينكرون أن الخبز ينام ساكنا في اعلى سلسلتهم الغذائية، وهو بالتالي يمثل لهم أكسير حياتهم، وعامل ديمومتهم، وهذا ما يدفع بالأردني للإنحناء على الأرض ورفع أية كسرة خبز يلقاها ويقوم مباشرة بطقسه التقديسي، يقبلها، ويستغفر الله ويحملها معه لأقرب مكان مرتفع ويركنها فيه، تطهيرا لها، وتعظيما لرمزيتها، وهي المادة الغذائية الوحيدة التي يتعامل الأردنيون معها بتلك الهالة التقديسية والتي لا يشاركهم يها أحد من الشعوب الأخرى.
هذه الرمزية هي التي تجعل من الخبز مادة خطرة، وخطا أحمر لا يجوز لأحد العبث به، وكلما استحضرت قصة الخبز سنة 1996 فإن انثيالات ذاكرة جمهور الخبز لن تتوقف.
في حكومة الكباريتي تعرض الخبز لهجمة حكومية بدت قاصمة، وحولت جمهور الخبز لشحاذين، وساهمت بإنشاء طبقة من تجار الآلام اغتنت بسرعة البرق من تجارة الكوبونات، قبل ان تراجع الحكومات حساباتها وتلغي عصر الكوبونات وتحفظ للخبز ولجمهور الخبز كرامتهم..
اليوم لا تبدو التفاصيل تساعد على إعفاء احد من الشك في نوايا السلطة التنفيذية تجاه الخبز، والعودة إليه مجددا باعتباره الحل السحري الأكثر نجاعة لإصلاح اختلالات الموازنة، وتقليص الدعم بموجب سياسات البنك وصندوق النقد الدوليين، وهذا ما دفع بجمهور الخبز لعدم التصفيق للرئيس الملقي الذي نفى أية خطط للمس بالخبز وبجمهوره الوسيع، فالثقة لا تزال بين الطرفين مفقودة تماما..
جمهور الخبز هذا الأوان يستمتع بعلاقته المقدسة مع اعلى سلسلته الغذائية، وينظر بعين الريبة والحذر والشك في نوايا حكومة الإصلاح المضطربة في الدوار الرابع..