ارشيف الملاذ نيوز

المغتربون والسياسة الخارجية

عقد في عمان, الاسبوع الماضي مؤتمر رجال الأعمال الاردنيين المغتربين وفي متابعاتي لتصريحات المسؤولين الذين حضروا المؤتمر لم اجد سوى التركيز على نقطة واحدة وهي تشجيع رجال الأعمال على الاستثمار في بلدهم, وهذا جيد, لكن لم المس أي اهتمام باوضاع المغتربين في البلاد التي يعملون بها, واذا وجد فانه لم يكن جدياً بدليل انه لم يظهر في وسائل الاعلام.

في بداية السبعينيات كنت واحداِ من المغتربين, معلماً في احدى الدول الشقيقة, وذلك عندما نظمنا احتجاجاً وتهديداً بالاضراب للمطالبة بحقوق لنا في نص العقود المبرمة مع وزارة التربية والتعليم في تلك الدولة بعد ان رفضت الوزارة الالتزام بها. أحتفظ برسالة جوابية من سفيرنا في تلك الدولة كنت قد طالبته بالتدخل وفيها يظهر الرجل – رحمه الله – انه ليس باليد حيلة. النتيجة تم نقلنا تعسفياً الى مناطق نائية من باب العقاب وتبع النقل قرارات بالفصل والتسفير.

أمس, في يوم راحتي, وانا اقرأ وضعاً مشابهاً يواجهه عدد من المعلمين على خلفية مطالبهم العادلة (نقل تعسفي واحالات على الاستيداع وفصل) حاولت جاهداً ان لا اربط بين ما حدث مع عدد من المعلمين الاردنيين المغتربين قبل 40 عاماً, ومع معلمي الكرك ومعان والسلط الخ, لكن سيطرت عليّ فكرة الربط وبانه ليس شرطاً ان تكون في بلاد الغربة لتشعر بالاغتراب عندما تتساوى المقدمات والنتائج.

المغتربون الاردنيون, في تاريخ بلدنا الحديث هم الذين, من اجلهم اطلق الملك الراحل شعار “الانسان اغلى ما نملك”. فعلى مدى عقود طوال كانوا الرافد الاهم للتنمية والاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتهم التي يبلغ معدلها السنوي اكثر من مليارين.

المغتربون أهم من المساعدات الخارجية بالف مرة. لان الاموال التي يأتون بها الى البلد من جهدهم ومعاناتهم تضيف الى الدولة قوة لان العملة الصعبة هي التي تصنع التنمية وتحرك الاستهلاك والاسواق وبالتالي تبني الاقتصاد الوطني هنا يصدّر المغترب عمله وخبرته ليحصل على الدخل تماماً كما تقوم الاقتصاديات المتطورة بالحصول على الدولار ببيع الصناعات والمنتجات. اما المساعدات الخارجية فهي متذبذبة صعوداً وهبوطاً ومشروطة, ينفق جزء كبير منها على خبراء الدولة المانحة والجزء الاخر على مشاريع يحددونها هم وليس حسب الحاجة الوطنية.

على سبيل المثال, كل الحملات التي سمعناها في السنوات الخمس الماضية عن جذب الاستثمار الاجنبي. ماذا كانت نتيجتها, استيلاء هذا الاستثمار على (منابع النفط الاردنية واستملاكها) اقصد الموارد الاستراتيجية, البوتاس, الفوسفات, الاتصالات, الشركات الكبرى الخ. وباموال معظمها مُستدان من البنوك الاردنية, اما الارباح فنسبة كبيرة منها ترحل سنوياً الى ارصدة خارجية.

المغتربون وخاصة المغتربين العاديين, الذين هم عشرات ومئات الالاف هم الذين جلبوا الاستثمار الحقيقي. فلو افترضنا ان هؤلاء المغتربين اشتروا 10 الاف شقة في حركة العقارات ومتوسط كل شقة 60 الف دينار فسنكون أمام رقم بـ 600 مليون دينار فقط ثمناً لشقق هي التي حركت الاستثمار الحقيقي في البلد. وباموال قادمة من الخارج. وهذا هو الاستثمار الحقيقي.

من خلال اللقاءات والرسائل التي وصلت الى “العرب اليوم” في السنوات الاخيرة فان حال المغتربين الاردنيين مثل ما كان حالي في الاغتراب قبل 40 عاماً, وهذا بعض واقعهم المر:

1- لا يشعرون بان دولتهم الى جانبهم اذا تعرضوا لفصل تعسفي, فيما مصر على سبيل المثال, اشترطت على دولة خليجية قبل تحسين العلاقات معها بعد توتر ان تعيد 30 الف مصري الى اعمالهم كانوا قد فصلوا منها.

وفي سفارات عربية, ومنها مصر, هناك ممثل لوزارة العمل لمتابعة شؤون المغتربين.

2- عدد من سفراء الاردن الذين تداولوا المنصب في دول الاغتراب ساهموا في تردي العلاقات ولم يفعلوا شيئاً لتحسينها. اضافة الى ان السفير يعاني من نقص حاد في موازنة السفارة مما لا يسمح له بالقيام بأي نشاط ولا حتى اقامة مأدبة غداء.

3- منذ عام 90 تأثر المغتربون ومعهم تقلصت فرص العمل بسبب الاثار السلبية للسياسة الخارجية مع دول خليجية وعربية فيها فرص عمل كبيرة ودخول عالية لمواطنيها. مما يتطلب اعادة نظر في مجمل المواقف على مسار العلاقات الخارجية, العربية – العربية.

وفي هذا الصدد, يفترض ان يكون اهم وزيرين في حكومتنا الرشيدة, هما وزير العمل ووزير السياحة, الاول للاهتمام بشؤون المغتربين وخلق فرص عمل للاردنيين في الخارج, والثاني لجذب وتشجيع السياحة العربية والاستثمار في القطاع السياحي.

 

 

 

العرب اليوم/ طاهر العدوان

[email protected]