ارشيف الملاذ نيوز

هزيمة المنتصر وانتصار المهزوم

اذا صح ما قاله شلومو رايخ وهو احد اليهود الذين اعلنوا العصيان على الصهيونية بان اسرائيل سوف تمضي من نصر عسكري الى نصر عسكري نحو هزيمتها ، فان هناك بالمقابل شعبا سوف يمضي من مذبحة الى حصار نحو انتصاره ، ليس فقط بسبب الجدلية الخالدة للتاريخ الذي لا يقبل التدجين في اسطبلات الاباطرة ، ولا تجره الدبابات ، بل لان فهم رايخ للصراع بني على وعي اخر واطروحة اخرى مضادة للصهيونية التي تلوي عنق التاريخ وذراع الديمغرافيا كي يستجيبا للاسطورة.

كيف يمكن لحاصل جمع انتصارات عسكرية ان يكون هزيمة كبرى ، ولحاصل جمع المجازر والحصارات ان يكون انتصارا؟ ان الاجابة لا يتولاها رايخ نفسه ، او حتى معاصروه ، لانها من صميم عدالة لا بد لها ان تستقيم ، ولمعادلاتها ان تنهض مجددا على ساقين وليس على ساق واحدة ، فهي الان عرجاء شأن كل المعادلات الكونية الاخرى ، ما دام الامر قد حسم لبعض الوقت لصالح قطب واحد.

ان ما يعنيه رايخ في نبوءته التاريخية التي ترى المستقبل في ضوء ممكنات الراهن هو التراجيديا ، بالمعنى الوحيد الذي نحياه الان فهي نصف ثالث للتاريخ ، وهو الفائض الذي يتيح للمذبحة ان تكون انتصارا للضحية بقدر ما يحول الانتصار العسكري الى هزيمة محتمة ، لكن هذا النمط من التفكير يتطلب منا ان لا نتعامل مع التاريخ كما لو انه في مثل متوسط اعمارنا ، بحيث تتحقق نبوءات خلال اعوام قليلة ، واذا كانت عوامل التعرية في الجغرافيا تستغرق زمنا طويلا ، فان ما يقابلها عوامل تعرية في التاريخ هو كذلك ايضا وليس معنى ذلك الاستسلام لاية حتمية في زمن لم تعد الحتميات التاريخية فيه تصلح للرهان البشري بعد ان حدثت كل هذه الانقلابات في المفاهيم والرؤى وبعد ان وجدت عبارة هيجل الشهيرة عن مكر التاريخ هذا المجال الحيوي لها خلال العقدين الماضيين،.

والرهان على بدء العقد التنازلي للصهيونية او اي مشروع مماثل ومضاد للتاريخ لا يبدأ من تفكير رغائبي للمهزوم او من اسقاطات نفسية وعاطفية ، فثمة معطيات واقعية وحيثيات وقرائن تجزم في مجملها بان مثل هذه المشاريع المضادة للتاريخ وللخبرة البشرية والعدالة لا بد ان ترتطم بما يحطمها ، لانها لا تعيش الا بفضل فائض القوة ، وما نشهده الان على امتداد العالم من شجب علني للصهيونية يشارك فيه ناشطون ومثقفون من مختلف الجنسيات والثقافات هو نذير نهاية ، وما قاله شمعون بيريز عن تآكل سمعة اسرائيل ، وتشوه صورتها ليس سوى صيغة مخففة للاعتراف بان العواصف هبت على غير ما يشتهي قارب الاسطورة ولن تنفع كل مساحيق التجميل الدبلوماسي او محاولات غسل الادمغة والذاكرات في انقاذ الصهيونية من الفخ الذي سقطت فيه ، وهو من صناعتها اساسا لان هناك مشاريع تحمل بذور موتها في باطنها.

والوجه الاخر لمقولة رايخ هو الهزيمة ، كحاصل جمع لانتصارات عسكرية هو النصر كحاصل جمع لمجازر وتضحيات وحصار يختبر ما تبقى من منسوب اخلاقي في عالمنا،.

 

 

الدستور/ خيري منصور